الصفحة 7 من 35

الغرائز الطبيعيةِ؛ نظرًا لأنها تُبنَى على مفاهيمَ وضعيةٍ، يتحقَّقُ من خلالها فقط الشُّعور الطبيعيُّ بالانتماء.

نستدلُّ مما سبق على أنَّ الفكرَ القومي رغم أنَّه يُسند فكرةَ قيام الدَّولة على المبدأ القوميِّ، إلا أنَّه لا يحتِّمُ التلازمَ بين وجود الأمَّة والدَّولة، كما أنه يجعل غايةَ الأمَّةِ الانضواءَ تحت لواء الدَّولة القوميَّة بهدف التميُّزِ عن القوميَّاتِ الأخرى، وحمايةِ الدَّولة القوميَّة والدفاع عنها.

أمَّا الإسلامُ، فيُقِرُّ تكوينَ الأمَّةِ، ولكنَّه يحصر مكوناتِها في عناصر"فكرية - عقائدية"، وفي أنظمةٍ وتشريعاتٍ عمليَّةٍ تنبثق من العناصر الفكريةِ، وبهذا يُناقِضُ المبدأَ الغربيَّ القوميَّ في مفهومِ الأمَّة؛ حيث تؤكِّدُ الشَّريعة الإسلاميةُ أنَّ مكوِّنات الأمَّةِ هي العقيدةُ الإسلاميةُ والمفاهيمُ التي ترتبط بها من إيمانٍ بالله ورسولِه، وكذلك الأحكامُ الشرعية التي تنبثق عن العقيدةِ؛ من هجرةٍ وجهادٍ بقصدِ تكوين الدَّولة الإسلاميَّةِ، ولا تكتفي النَّظرية السياسية الإسلاميَّةُ بالانكفاء المترتِّب على بناء الأمَّةِ الدَّولة، والاقتصارِ على حماية الدولةِ كما في الفِكر القومي، بل تتعدَّى ذلك بأنْ تجعلَ وجودَ الأمَّةِ ذاتِها يتمثَّلُ في إقامة الدولة التي تُقيمُ أحكامَ الشَّرعِ، كما تُعتبَر الدَّولةُ"وسيلةً"دائمة لإقامة أحكام الشَّرعِ، وحملِ الدَّعوة عن طريق الجهادِ، وليست غايةً في حدِّ ذاتِها كما يؤكِّدُ القوميُّونَ.

ليست علاقاتِ الدَّمِ، ولا علاقات الأرضِ، ولا علاقاتِ الجِنس، ولا علاقات التَّاريخ، ولا علاقات اللُّغة، ولا علاقات الاقتصاد ... ليست هي القرابةَ، وليست هي المصالحَ الاقتصاديةَ .. إنما هي علاقةُ العقيدة ... [1] .

وتمثِّلُ العقيدة والشَّريعة الإسلامية وما جاء فيها من أحكامِ الهجرة والجهاد وتكوين الدَّولة الشَّرعيةِ - عناصرَ ومكوِّناتِ الأمَّةِ الإسلاميَّة.

وقد أوضح ذلك اللهُ - سبحانه وتعالى - بقوله: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ} [الأنفال: 72، 73] ، وقال رسول اللهِ - صلَّى الله عليه وسلَّم: (( اغزوا باسمِ الله في سبيل الله، قاتِلوا مَن كفَرَ باللهِ، وإذا لقيتَ عدوَّك من

(1) سيد قطب، في ظلال القرآن،، جزء 3 بيروت، دار الشروق، 1400 - 1980، ص 1554.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت