الصفحة 13 من 35

وبيَّنَ الرَّسول - صلَّى الله عليه وسلَّم - ما يترتَّب على الفُرقةِ بين المسلمين؛ فعن ابنِ عباس - رضي الله عنهما - قال: قال النبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم: (( لا ترتدُّوا بعدي كفَّارًا يضربُ بعضُكم رقابَ [1] بعضٍ ) )، وأوضح الرَّسولُ - صلَّى الله عليه وسلَّم - ما سيَؤُول إليه حالُ المسلمين المتفرِّقين بقوله: (( والذي نفسي بيده، لا تذهبُ الدنيا حتَّى يأتيَ على النَّاس يومٌ لا يدري القاتلُ فيمَ قَتل، ولا المقتولُ فيمَ قُتِل ) )، فقيل: كيف يكون ذلك؟ قال: (( الهرجُ، القاتلُ والمقتولُ في النارِ ) ) [2] .

وبِناءً عليه؛ يجب على الدَّولةِ العملُ على مَحقِ الفُرقةِ بين المسلمين، ومنعُ كلِّ ما يدعو إلى تفتُّتِ الدَّولة الإسلاميَّةِ، وتهديدِ كِيانها من الدَّاخل.

الأُولى: التي تدعو إلى مبادئَ تُناقض الشَّرع ابتداءً؛ كحركات الرِّدة التي ظهرت في التاريخ الإسلاميِّ، أو كالشُّيوعيَّةِ التي تؤمِنُ بأنَّ الحياةَ مادَّةٌ، وأنَّ الدِّينَ خرافةٌ، أو الرأسمالية والعَلمانية التي تدعو إلى فصل الدِّين عن واقعِ الحياة.

الثانية: دعَواتٌ جاهليَّة؛ كالعصبيَّة والقَومية والشُّعوبية والطَّائفية وغيرِها، تدعو إلى روابطَ بين أفرادِ الأمَّة على غيرِ أساسِ الأخوَّة الإسلاميَّةِ، وتؤدِّي إلى تمزيق الأمَّة إلى قوميَّاتٍ متناحرةٍ.

فالحركات التي تناقض الإسلامَ، وتدعو إلى هدمِ الدِّين مباشرةً، أو إلى عزل الدِّين عن واقعِ النَّاس - كالشُّيوعيَّةِ والرَّأسماليةِ - تُعَدُّ كفرًا؛ لمناقضتِهما عقيدةَ الإسلامِ، ويعامَلُ الدَّاعي إليها بحُكمِ المرتدِّ في الدولة الإسلاميةِ، ويسري ذلك على كلِّ دعوةٍ تظهَرُ القرينةُ الشرعية على كُفرِها أو كفرِ ما تدعو إليه.

أما القوميَّة والوطنية وما شاكلها من نزَعاتٍ عصبيَّة جاهليَّةٍ - والتي تنشأ مع انحطاطِ الفكر - فلا تصلحُ لأنْ تكونَ رابطةً إنسانيَّةً سياسيةً؛ لأنَّها روابطُ عاطفيَّةٌ ترتبط بغريزةِ البقاءِ، ولأنَّها قبليَّةٌ تنطلق من نزعةِ السِّيادة والسَّيطرةِ، ولأنها مؤقَّتة تقْوَى في حالة الدِّفاع عن الوطن فقط، وغيرُ إنسانيَّةٍ؛ لأنها تخلُقُ النِّزاع والعصبيَّة وحبَّ السَّيطرة والسيادة بين النَّاس؛ ولذلك حرَّمها الإسلامُ، ونهى عن الدَّعوة إليها، وأوجب على الدَّولةِ الإسلامية منْعَها ومَحْقَها ومَحْقَ ما تدعو إليه؛ نظرًا لِمَا يترتَّبُ على ذلك من فتنةٍ وفُرقةٍ بين المسلمين، ولأنها تضادُّ قولَه - تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ

(1) المرجع السابق، جزء 13، حديث رقم 7079، ص 26.

(2) صحيح مسلم بشرح النووي، الجزء 18، مرجع سابق، ص 35.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت