الصفحة 14 من 35

إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ [الحجرات: 13] ، ونظرًا لمخالفتِها ما أمَر به الإسلامُ من ربطِ الإنسانِ بالفكرِ والمنهجِ، وليس بالمولِدِ والمنشأِ، وعلى ذلك يدلُّ قولُه - تعالى: {لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [التوبة: 23] ، فالولاء مرتبِطٌ بالعقيدةِ التي جعلها الإسلامُ قاعدةَ الأخوَّةِ؛ قال - تعالى: {فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ} [التوبة: 11] ، وقد نهى الرَّسولُ - صلَّى الله عليه وسلَّم - عن العصبيَّةِ بشتَّى أنواعِها؛ فقال - عليه السلام: (( إنَّ اللهَ أذهب عنكم عُبِّيَّةَ الجاهليَّةِ، وفخْرَها بالآباءِ، إنَّما هو مؤمنٌ تقيٌّ، أو فاجرٌ شقيٌّ، أنتم بنو آدمَ، وآدمُ من ترابٍ، ليدعَنَّ رجالٌ فخْرَهم بأقوامٍ إنما هم فحمٌ مِنْ فحمِ جهنَّمَ، أو ليكونُنَّ أهونَ على اللهِ من الجِعْلانِ التي تدفع بأنفِها النَّتنَ ) ) [1] ، وجعل الرَّسولُ - صلَّى الله عليه وسلَّم - الدِّفاعَ عن العصبيَّةِ والقتالَ تحت رايتِها"جاهلية"؛ فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - أنه قال: (( مَن خرج من الطَّاعةِ وفارَقَ الجماعةَ، فمات مات مِيتةً جاهليَّةً، ومن قاتل تحت رايةٍ عُمِّيَّةٍ، يغضبُ لعَصبةٍ، أو يدعو إلى عَصبةٍ، أو ينصرُ عَصبةً، فقُتل فقِتْلةٌ جاهليَّةٌ ... ) )الحديثَ [2] .

وعن جابر بن عبدالله قال:"كنَّا مع النبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - في غَزاةٍ فكَسَعَ رجلٌ من المهاجرينَ رجلًا من الأنصارِ، فقال الأنصاريُّ: يا لَلأنصارِ! وقال المُهاجريُّ: يا لَلمهاجرين! فقال رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم: (( ما بالُ دعوى الجاهليَّةِ؟! ) )، قالوا: يا رسولَ اللهِ، كَسَعَ رجُلٌ من المهاجرينَ رجلًا من الأنصارِ، فقال: (( دَعُوها؛ فإنَّها مُنْتِنةٌ ) ) [3] ."

ومِن أبرزِ ما يدل على بطلانِ القوميَّة قولُ الرَّسولِ - صلَّى الله عليه وسلَّم: (( إنَّ الله أمرَ يحيى بنَ زكريا بخَمْس ... وأنا آمرُكم بخمسٍ، اللهُ أمرني بهن: السَّمع والطَّاعة، والجهاد، والهجرة، والجماعة؛ فإنَّه مَن فارق الجماعةَ قِيدَ شِبرٍ، فقد خَلع رِبْقةَ الإسلامِ من عنقِه إلا أنْ يراجعَ، ومَن دعا بدعْوَى الجاهلية فهو من جُثَا جهنَّم ) )، قيل: يا رسولَ اللهِ، وإنْ صلَّى وصام؟ قال: (( وإن صلَّى وصام وزعم أنَّه مسلمٌ، فادْعُوا بدعْوى اللهِ الذي سمَّاكم المسلمين المؤمنين عبادَ الله ) ) [4] .

(1) سنن أبي داود جـ 5، حديث رقم 5116، ص 339 - 340، وسنن الترمذي، ج 5، حديث رقم 3955 - 3956، ص 734 - 735.

(2) صحيح مسلم بشرح النووي، جزء 12، مرجع سابق، ص 238.

(3) المرجع السابق، جزء 16، ص 138.

(4) مسند الإمام أحمد، جزء 4، ص 130 و 202 وجزء 5، ص 344، والترمذي، حديث رقم 2863 - 2864، وصححه الألباني في صحيح الجامع، ص 1720، راجع الشيخ عبدالعزيز بن باز، نقد القومية العربية على ضوء الإسلام والواقع، الكويت، دار الدعوة، 1405 هـ 1984، ص 35 - 36.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت