ولذلك يرفض الإسلامُ الفكرةَ القوميَّة المؤكِّدة على أنَّ الأمةَ توجَد بمجرَّدِ توافر عناصرِها،"بغضِّ النَّظر عن صورة التنظيم السِّياسي الذي تعيش في ظلِّه"، وأنَّ الأمةَ تختلف عن الدَّولةَ؛ لأنَّ الدولةَ ظاهرةٌ سياسية وقانونيَّةٌ محدَّدة، وأنَّ الأمَّةَ توجَد بدون دولةٍ؛ أي: بدون اتِّحاد أبنائها في دولةٍ واحدة، وتبقى أمَّةً حتى لو انقسمت إلى وحدات سياسية متباينةٍ [1] .
ويؤكِّدُ الإسلامُ أنَّ قيامَ رابطةٍ رُوحية تسمَّى"الأمَّة"لا يكفي لتحقيق مدلولِ الشَّارعِ الهادفِ إلى إقامةِ أحكام الشَّرعِ، حيث تقتضي إقامةُ الشرعِ انصهارَ الأمَّة سياسيًّا في بُوتقةِ دولةٍ إسلاميَّةٍ تُقيم أحكامَ الشَّرعِ في واقع الحياةِ.
وعليه؛ فالأمَّة والدولة لا ينفصلانِ مطلقًا؛ فوجودُ الأمَّةِ يعني وجودَ الدَّولة، وفِقْدانُ أحدِهما يعني فِقدانَ الآخر.
يترتَّب على وَحدة الأمَّة واجبٌ على الدولة، هو: مَحْقُ كلِّ ما يدعو إلى التَّفرقة بين المسلمين؛ فالله - سبحانه وتعالى - نَهى عن التَّفرقة بقوله: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [آل عمران: 103] ، وذمَّ المتفرِّقين بقوله - سبحانه وتعالى: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [آل عمران: 105] ، وقوله - سبحانه وتعالى: {وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} [الروم: 31، 32] ، وقد وردت عدَّةُ أحاديثَ عن الرَّسول - صلَّى الله عليه وسلَّم - تنهى عن الفُرقةِ والخروج عن طاعةِ الإمامِ الشَّرعيِّ؛ فعن حذيفةَ بن اليمانِ - رضي الله عنهما - قال: كان النَّاسُ يسألون رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - عن الخيرِ، وكنتُ أسألُه عن الشرِّ مخافةَ أن يدركَني، فقلتُ: يا رسولَ الله، إنَّا كنَّا في جاهليَّةٍ وشرٍّ، فجاءنا اللهُ بهذا الخير، فهل بعد هذا الخيرِ من شرٍّ؟ قال: (( نعم ) )، قلتُ: فما تأمرُني إن أدركني ذلك؟ قال: (( تلزمُ جماعةَ المسلمين وإمامَهم ) ) [2] .
(1) الدكتور صوفي حسن أبو طالب، المجتمع العربي، القاهرة، دار النهضة العربية، 1389 هـ - 1970، ص 27.
(2) فتح الباري في شرح صحيح البخاري، جزء 13، بيروت، دار الفكر، بدون تاريخ، حديث رقم 7084، ص 35.