يعدو - بالحقيقةِ - كونَه جماعةً من النَّاس فقط؛ وذلك لفِقدان شرطِ وجودِ الأمَّة، وهو سيادة الشَّرع، وقيامُ شريعتِه في أغلب تلك المجتمعات.
والخلاصة أنَّ وجود"الأمة"بمعناها الشرعيِّ المستنبَطِ من الأدلَّةِ والمفاهيم الشَّرعيةِ - لا يتحقَّقُ إلا بوَحدة المسلمين في دولةٍ واحدة تحت لواءِ حاكمٍ واحد؛ فقد أكَّد الرَّسولُ - صلَّى الله عليه وسلَّم - ضرورةَ ملازمةِ الجماعةِ، والوفاءِ بالبيعة للحاكم، وعدم جواز تعدُّدِ البَيعة؛ وذلك يدلُّ على وجود انتظامِ الأمَّة في دولةٍ واحدة، وتحريمِ التعدُّدية السياسية المؤدِّية إلى زوال الأمَّةِ؛ فعن أبي هريرةَ - رضي الله عنه: أنَّ الرسولَ - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: (( مَن خرج من الطَّاعةِ وفارق الجماعةَ ثم ماتَ، مات مِيتةً جاهليَّةً ) ) [1] .
وممَّا يدل على وجوب اجتماع أمرِ المسلمين على إمامٍ واحد قولُه - صلَّى الله عليه وسلَّم: (( إنَّه ستكونُ هنَاتٌ وهنَاتٌ، فمن أراد أنْ يفرِّقَ أمْرَ هذه الأمةِ وهي جميعٌ، فاضربوه بالسَّيف كائنًا مَن كان ) )، يؤكِّدُ الإمامُ النَّووي - رحمه الله - أنَّ في هذا الحديثِ أمرًا"بقتالِ مَن خرج على الإمامِ، أو أراد تفريقَ كلمةِ المسلمين، ونحو ذلك، ويُنْهى عن ذلك، فإن لَم يَنْتَهِ قوتل وإن لم يندفع شرُّه إلا بقتله فقُتِلَ، كان هدَرًا" [2] ، وقوله - صلَّى الله عليه وسلَّم: (( إذا بُويع لخليفتين، فاقتلوا الآخَرَ منهما ) ) [3] ، ويدلُّ على ذلك أيضًا اعتبارُ الفقهاءِ أنَّ"البغي"هو مخالفةُ رأيِ الجماعةِ، ورفضُ الانقيادِ السِّياسيِّ والطاعة للدَّولة كما ذكر الماوردي:
إذا انفرد أهلُ البغيِ بمذهبٍ ابتدعوه وخالفوا رأيَ الجماعةِ"فإن لَم يخرجوا به عن، المظاهرة بطاعةِ الإمامِ، ولا تحيَّزوا بدارٍ اعتزلوا فيها، وكانوا أفرادًا متفرِّقين تنالُهم القدرةُ ... تُرِكوا ولَم يُحارَبوا، وأُجرِيَت عليهم أحكامُ العدلِ ... ولكن إذا أظهر أهلُ البغيِ معتقداتِهم علانيةً مع اختلاطِهم بالنَّاس، فعلى الإمامِ أنْ يُظهرَ فسادَ معتقداتِهم وبطلانَها، مع جوازِ تعزير بعضِهم؛ شريطةَ ألا يصل ذلك إلى حدِّ القتلِ، أما إذا اعتزل البغاةُ الجماعةَ، وتحيَّزوا بدارٍ تميَّزوا فيها ولكنَّهم لَم يمنعوا الحقوقَ التي عليهم، ولَم يخرجوا عن طاعةِ الإمام، فلا تجوزُ محاربتُهم، ولكن إذا رفضوا طاعةَ الإمام، ولَم يؤدُّوا ما عليهم من حقوقٍ، وانفردوا بتنفيذِ الأحكام، أو نصَّبوا عليهم إمامًا، حُوربوا حتى يُذعنوا للإمامِ الواجبِ الطَّاعة" [4] .
(1) صحيح مسلم بشرح النووي، جزء 12، مرجع سابق ص 239.
(2) راجع صحيح مسلم بشرح النووي، جزء 12، 242 - 243.
(3) المرجع السابق، ص 2430.
(4) أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي، الأحكام السلطانية والولايات الدينية، بيروت، دار الكتب العلمية، 1405 هـ 1985.