الصفحة 31 من 35

ما الذي يمكن أن نستنتجَه من خلال تحليل مفهومِ الأمَّةِ والرَّعويةِ في الفقه السياسيِّ الإسلاميِّ؟

يمكننا القولُ أولًا: إنَّ الفكر السياسيَّ الإسلاميَّ يقدِّمُ تنظيرًا مغايرًا للتَّنظيرِ الذي يُبنَى عليه مفهومُ الأمَّةِ في الفكر السياسيِّ الغربيِّ؛ حيث يُبنَى مفهومُ الأمَّةِ القوميُّ على الارتباط الطبيعيِّ الذي يؤدِّي إلى خَلق شعورٍ أو إحساسٍ بالوَحدةِ بين جماعة، وقد يؤدِّي هذا الارتباطُ إلى إيجاد دولةٍ تجمعُ هذه الجماعةَ، وقد لا يؤدِّي الارتباطُ إلى تحقيقِ هذا الهدفِ، ومع ذلك تظلُّ الأمَّةُ قائمةً متى توفَّرت عناصرُها الطبيعيَّةُ، أما النَّظريةُ السياسيةُ الإسلامية فتتخطى - كما بيَّنَّا في البحثِ - الأطرَ الرُّوحيةَ المحضةَ، وتؤمنُ بأنَّ وجود الأمَّةِ لا بد وأن يتمَّ من خلال صَهْرِها في بُوتقةٍ واحدةٍ؛ أي: في دولةٍ تُقيم أحكامَ الشَّرعِ؛ لأنَّ العلاقةَ التي تربط الأمَّةَ ببعضِها البعضِ في الإسلامِ علاقةٌ يترتَّبُ عليها إقامةُ أحكامِ الشَّرعِ، وإقامةُ أحكامِ الشَّرع تقتضي وَحدةَ الأمَّةِ في دولةٍ واحدة، ومن هذا المنطلقِ يصبح هناك تبريرٌ لإيجادِ الإطار العمليِّ الذي يوحِّدُ المفاهيمَ والقَناعاتِ التي تؤمِنُ بها الأمَّةُ في إطارِ وَحدةٍ سياسيةٍ شرعيَّةٍ، بعكس الحال في مفهومِ الأمَّةِ الغربيِّ الذي يكتفي بإبرازِ التباينِ بين الأمَّةِ والدَّولةِ، ويحاول أن يستخدمَ هذا التباينَ كمبرِّرٍ لتفتُّتِ الأمَّةِ وتجزئتِها في عددٍ من الدُّولِ، مع تأكيد الفكر الغربيِّ على أنَّ الأمَّةَ تقوم متى توفَّرت خصائصُها الطَّبيعيةُ فقط.

كما أكَّد البحثُ - من ناحية أخرى - أنَّ انصهارَ الأمَّةِ في بُوتقةِ الدولةِ الإسلامية الشَّرعيةِ يرتِّبُ عددًا من الأحكامِ الشَّرعيَّةِ المتعلِّقةِ برَعويةِ الدَّولةِ، والتي تضادُّ - كليةً - مفهومَ الجنسيةِ القوميَّ الضيِّق، حيث تؤكِّدُ النَّظريةُ السياسيةُ الإسلامية أنَّ حمل رَعويةِ الدَّولة حقٌّ إنسانيٌّ راجع للإنسان ذاتِه، ويترتَّب على ذلك أنْ يصبحَ طرفُ الجنسية الإنسانَ نفسَه إن أراد الإقامةَ الدَّائمةَ في الدولة الإسلامية، وبذلك تُعتبر الرَّعويةُ حقًّا للمرءِ، وليست منحةً من الدولةِ، وليست من أعمال السِّيادةِ كما هو الحال في الفكر السياسيِّ الغربيِّ؛ وذلك لأنَّ الإسلامَ يتخطَّى الأطرَ الوطنيَّةَ والقوميَّةَ الضيِّقةَ، ويُقيم رباطًا إنسانيًّا عالميًّا يفتح المجالَ أمام مَن يريد أنْ يهاجرَ إلى الدولة الإسلاميَّةِ ليعيش بها، سواءٌ كان مسلمًا أو غيرَ مسلمٍ إن رغِبَ في الإقامةِ الدَّائمةِ في الدَّولة أنْ يحملَ رَعويَّتَها، وعلى الدولة الإسلامية أن تسهِّلَ له إجراءاتِ الحصول على الرَّعويةِ.

ومن هذا المنطلقِ، لا يجوزُ للدولةِ أن تقفَ حجَرَ عثرةٍ في سبيل حصول المرءِ على رَعويَّتِها؛ وذلك لأنَّ الحصولَ على رَعويةِ الدَّولةِ الإسلامية حقٌّ خالصٌ للفردِ، كما يصبحُ واجبًا في حقِّ المسلمِ أنْ يُقيمَ أحكام الإسلامِ، ويحملَ الدَّعوةَ، ولا يتحصَّلُ له ذلك إن اعتُبِرَ أجنبيًّا في بلاد الإسلامِ.

كما أكَّد البحثُ كذلك أنَّه ليس للدولة حقٌّ شرعيٌّ في إسقاطِ الرَّعويةِ؛ وذلك لأنَّ إسقاطَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت