الصفحة 6 من 35

ولذلك"لا الدين ولا الدولة، ولا الحياة الاقتصادية تدخلُ بين مقوِّماتِ الأمَّةِ الأساسية" [1] ، فالأمَّة في الفكر القوميِّ ظاهرةٌ اجتماعيةٌ توجَد بتوافرِ عناصرها؛ ولذلك فالأمَّةُ توجَد حتى لو لَم يتَّحِدْ أبناؤها في دولةٍ، وتظلُّ أمَّةً حتى لو انقسمت إلى عدَّةِ دُولٍ.

أما من حيث علاقةُ الأمَّةِ بالدولةِ، فإنَّ منظِّري الفكرِ القوميِّ يرون أنَّ للقومية مدلولينِ: الأوَّل: كمذهب فكريٍّ Doctrine يتعلَّق بشخصيَّةٍ أو مصالح، وحقوق الأمَّة وواجباتها، والثاني: كحركةٍ سياسيَّةٍ منظَّمة، تهدفُ إلى تحقيق أغراضِ الأمَّةِ ومصالحها، وأهمُّ هدفين تسعى الحركةُ إلى تحقيقهما هما: الاستقلال، والوَحدة الوطنية [2] .

ومن الواضح أنَّ هذين الهدفين سلبيَّان؛ لكونِهما يقتصران فقط على حماية الأمَّةِ، ولا يتعدَّيَانِها إلى غير ذلك من نشرٍ للمبدأ الذي تعتنقُه الجماعة؛ ولذلك فالفكرة القوميَّةُ عن الأمَّة في مدلولِها السياسي فكرةٌ عقيمةٌ؛ وذلك أنَّها حصرَت غايةَ كفاح الأمَّة السياسيِّ في إيجاد الدَّولةِ وحمايتِها، فإِنْ وُجِدت تحقَّقَ للقوميَّةِ هدفُها.

أمَّا القومية في المدلول المذهبيِّ، فتعَدُّ حالةً ذهنيَّةً تجعل ولاء الفرد الكامل خاضعًا للدولة القوميَّة [3] ؛ ولهذا فإن القوميِّين"في كل مكان عبدوا الأمَّةَ"، وهذه العبادة والتقديس جزءٌ من القاعدة التي يُبنى عليها الفكرُ القوميُّ المعاصرُ [4] .

إنَّ الفكرةَ القوميَّة تتمتَّع بقوة ذاتيةٍ، إنها تدفع إلى العمل والكفاحِ، عندما تدخل العقولَ، وتستولي على النُّفوس، (إنها) تحرِّكُ الهِمم، وتسيِّرُ الجماهير، وتدفع النَّاسَ إلى البذل والتَّضحيةِ عند الاقتضاء [5] .

يتَّضحُ من هذا أن القوميَّةَ - كمدلول مذهبيٍّ - رابطةٌ خاليةٌ من أي فكرٍ عمليٍّ، وتقومُ على

(1) ساطع الحصري، ما هي القومية، بيروت، دار العلم للملايين، 1959، ص 251 - 252.

(4) راجع، Sahfer P 6.

(5) ساطع الحصري، محاضرات في نشوء الفكرة القومية، مرجع سابق، ص 282.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت