الصفحة 20 من 35

عمَّن تشاء [1] .

وقد أدَّى ارتباطُ مفهومِ الجنسية بالرَّابطة القوميَّةِ إلى قيام الاستعمارِ والصِّراعات الدولية التي كان أبرزُها الحربينِ العالميتين الأُولى والثانية، وترتَّب على تبنِّي نظامِ الجنسيَّة القوميِّ عددٌ من المساوئِ، نذكر منها:

1 -ترسيخ العداءِ؛ وذلك لأنَّ الجنسيةَ تجعلُ العداءَ مشروعًا بين الدُّول، فهي تقوم على فكرةِ إقرار حقِّ كلِّ دولةٍ فيما لديها من ثرواتٍ طبيعية.

وهي من أجل ذلك تنظر إلى الآخرين على أنَّهم يتطلَّعون إلى هذه الثَّروات؛ لأنهم أجانبُ طبعًا، والأجنبي ليس له الحقُّ في أن يتمتَّعَ بشيءٍ منها، وما دام الأمر كذلك فلا بد من وضعِ القيودِ الشَّديدةِ لمنع هؤلاء الأجانبِ، أو الحدِّ من وجودِهم، ولو كانوا أبناءَ ملَّةٍ واحدة أو دينٍ واحد [2] .

2 -تدفعُ الجنسية نحو تأصيلِ الأثَرةِ والاستعلاءِ، وتزيدُ من حِرْصِ الدَّولة على مصالحِها الماديةِ الضَّيِّقة، وقد نعى اللهُ - سبحانه وتعالى - على مَن يفعل ذلك بقولِه: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ} [يس: 47] .

3 -تؤدِّي أنظمةُ الجنسية إلى سيطرةِ الحكَّام وتسلُّطِهم؛ حيث يستطيع الحاكمُ أن يمنحَ الجنسيَّةَ لمن يشاءُ، ويسقِطُها عمَّن يشاء، ويتطوَّرُ الأمر في العلاقة بين الحكَّامِ والمواطنين إلى أنْ يظنَّ الحكَّامُ أنهم هم السادةُ، والرَّعايا هم العبيدُ [3] .

4 -تدفع الجنسية نحو التَّفتيتِ والتَّجزئةِ، وتبعثُ على التَّفرقة بين النَّاسِ، وزيادةِ الحركات الانفصالية [4] ، خاصة وأنَّها تنطلقُ من فكرةِ حقِّ تقرير المصيرِ، وإقامة الكِيانات السياسيَّةِ المتعدِّدةِ بتعدُّدِ الأممِ والمصالحِ.

ولذلك؛ فنظام الجنسيَّةِ الغربي يُسقِطُ حتى مفهومَ الأمَّةِ القومي؛ بتأصيله للرَّابطةِ الوطنية وللولاءِ السِّياسي على حساب الرَّابطةِ القوميَّةِ.

لقد بيَّنَّا في الجزء السابق أنَّ الإسلامَ لا يُقِرُّ الرَّابطةَ الرُّوحية المحضةَ؛ وذلك لأنَّ إقامةَ أحكام الشَّرع تتطلَّبُ قيامَ رابطةٍ سياسية، وقيامُ الوَحدة السِّياسية التي تطبِّقُ الشرعَ يحتِّم وجودَ رابطةٍ سياسية بين أفرادِها تتجاوز إطارَ"الأخوَّة الدينية" [5] ؛ وذلك لأنَّ الأخوة رابطةٌ تصلح فقط لوصف علاقةِ المسلمين الرُّوحيةِ ببعضِهم البعض، والأمر يتطلَّب تحليلَ العلاقة التي تربط الأفرادَ المكوِّنينَ للدَّولةِ بالدولة، وهي التي اصطلحنا على تسميتِها رابطةَ"الرَّعوية الإسلامية"؛ وذلك في مقابل رابطة الجنسيَّةِ القوميَّة في الفِكر الغربيِّ.

لقد أقامت الشَّريعةُ الإسلامية رابطةً سياسية، ترتَّبَ عليها حقوقٌ وواجباتٌ محدَّدة بالنسبة للأفراد المكوِّنين للدَّولة، وإن كان الفقهاءُ لَم يستخدموا كلمةَ"جنسية"الحديثةَ النَّشأةِ، والمرتبطة بالفكرِ الغربيِّ، فإنَّهم أقرُّوا وجودَ رابطةٍ سياسيةٍ محدَّدة؛ ولذلك لا مجال لإنكارِ فكرةِ الرَّابطةِ المؤدِّية إلى قيام الرَّعوية، كما أشارَ مَن ذكر"أنَّ الشريعةَ الإسلامية والدَّولة الإسلاميَّةَ لا تعرفانِ فكرةَ الجنسيَّة" [6] ، فلقد حدَّدَ الفقهاءُ الإطارَ السِّياسيَّ للدَّولة الإسلاميَّة بما يسمَّى"دار الإسلام"، وحدَّدوا حقوقَ وواجباتِ أهلِ دار الإسلامِ، وعرَّفوا دار الحربِ، ودار العهدِ، وشروطَهما [7] ، وكلُّ ذلك يدلُّ على أنَّ الفقهاءَ قد تناولوا رابطةَ الرَّعويةِ بالتَّفصيلِ، فقد أشار الكاساني في معرِض حديثِه عن اختلاف الأحكامِ باختلاف الدَّارين - وهما دار الإسلام ودار الكفر - إلى أنَّه:"لا خلاف بين أصحابِنا في أنَّ دارَ الفكر تصير دارَ إسلامٍ بظهور أحكامِ الإسلام فيها" [8] ، وقد اختلف الفقهاءُ في دار الإسلام، وبماذا تصيرُ دارَ كفرٍ؟ فذهب أبو حنيفة إلى أن الدارَ تصير دارَ كفرٍ بشروطٍ ثلاثةٍ، وهي: ظهورُ أحكامِ الكفر فيها، ومتاخمتُها لدار الكفرِ، وألاَّ يأمنَ فيها المسلمُ والذِّميُّ بأمانِ الإسلامِ.

أما أبو يوسف ومحمد - رحمهما الله - فقد أكَّدا أن الدارَ تصير دار كفرٍ بظهور أحكامِ الكفر فيها [9] ، وقد وصف الفقهاءُ أهلَ الدولة الإسلاميَّةِ بأهل دار الإسلامِ، والحربيِّين بأهل دارِ الحرب، وحدَّدوا الرَّابطة السِّياسية والقانونية التي تربط الأفرادَ بالدَّولةِ الإسلاميَّة، ومن ذلك

(1) المرجع السابق، ص 32 - 33.

(2) المرجع السابق، ص 45.

(3) المرجع السابق، ص 47.

(4) المرجع السابق، ص 48.

(5) محمد شلتوت، الإسلام عقيدة وشريعة، بيروت، دار الشروق، 1403 هـ - 1983، ص 433.

(6) الدكتور أحمد قسمت الجداوي، الجنسية ومركز الأجانب، القاهرة، دار النهضة العربية، 1982 - 1983، هامش ص 65.

(7) الماوردي، الأحكام السلطانية، مرجع سابق، ص 174 - 175.

(8) علاء الدين أبو بكر الكاساني، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، الجزء التاسع، القاهرة، مطبعة الإمام، 1972، ص 4374.

(9) المرجع السابق، ص 4375.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت