الصفحة 8 من 35

المشركين فادعُهم إلى إحدى ثلاثِ خصالٍ - أو خِلالٍ - فأيَّتهن ما أجابوك فاقبَلْ منهم، وكُفَّ عنهم، ادعُهم إلى الإسلامِ، فإن أجابوك فاقبَلْ منهم، وكُفَّ عنهم، ثم ادعُهم إلى التحوُّلِ من دارِهم إلى دارِ المهاجرين، وأخبِرْهم إن فعلوا ذلك، فلهم ما للمهاجرين، وعليهم ما على المهاجرين، فإنْ أبَوْا أن يتحوَّلوا منها، فأخبرهم أنَّهم يكونون كأعرابِ المسلمين، يجري عليهم حُكمُ الله الذي يجري على المؤمنين، ولا يكونُ لهم في الغنيمة والفَيْءِ شيءٌ، إلا أنْ يجاهدوا مع المسلمين، فإنْ هم أبَوْا، فسَلْهم الجزية، فإن هم أجابوك، فاقبَلْ منهم، وكُفَّ عنهم، فإن هم أبَوْا فاستعنْ باللهِ وقاتِلْهم )) [1] .

فالآية الكريمةُ والأحاديثُ النَّبويةُ تدلُّ بوضوحٍ على مكوِّناتِ الأمَّةِ، وهي"الولاية بالإيمانِ والهجرة والجهاد"، وذلك يعني أنَّ الأمَّةَ تقوم على عقيدةٍ، تتْبَعُها هجرةٌ من دارِ الكفرِ إلى دار الإيمانِ؛ بهدف إقامةِ الدَّولةِ الإسلاميَّةِ؛ حتى تُحقِّقَ الأمَّةُ ذاتَها وكِيانَها السِّياسيَّ والاجتماعيَّ والاقتصاديَّ، وحتى تطبِّقَ مجموعةَ المفاهيم والمقاييس والقَناعات التي تحمِلُها في إطارٍ منتظَمٍ، سياسيٍّ واجتماعيٍّ واقتصاديٍّ، يرتكزُ على العقيدةِ، وتقومُ بعد إقامةِ الشَّرعِ بالجهادِ في سبيلِ الله لتبليغ الإسلامِ؛ وبذلك تتجاوز الإطارَ القوميَّ القائمَ على النَّظرة العِرْقية للأمَّةِ، وعلى مبدأ الولاء السياسيِّ للقومِ، بصرفِ النَّظر عن معتقداتِهم؛ حيث يُقيمُ الإسلام نظامَ ولاءٍ فكريٍّ عقائديٍّ، ويجعلُ هدفَ الأمَّةِ نشرَ الإسلامِ، وتوسيعَ رقعة الدَّولةِ الإسلاميَّةِ، ومن هذا يتَّضح أنَّ الأمَّةَ - في الفكر الإسلامي - تكتسب بُعدًا حركيًّا دائميًّا، من خلال إقرارِ رابطة العقيدةِ الفكرية، والجهاد في سبيل الله.

وللمحافظة على حقِّ وكِيان الأمَّةِ والدولة النَّاجمة عنها؛ حذَّر اللهُ - سبحانه وتعالى - المسلمين من موالاة الكفَّارِ؛ لكونِهم أولياءَ بعضٍ، وحذَّر - سبحانه وتعالى - من الفتنةِ المترتِّبة على انقسام المسلمين"التجزئة السياسية"، وعدم موالاتِهم لبعضٍ بإقامة المجتمعِ السياسيِّ الواحد، وذلك دليلٌ على أنَّ الأمةَ الإسلاميَّةَ يجب أن تكونَ واحدةً، لا يفصِلُ بين شعوبِها حدٌّ، ولا يحول دون التقائِهم وضعٌ، ولا يصحُّ أن تخضعَ لأكثرَ من حاكمٍ يتولَّى أمرَها، ويديرُ شؤونَها [2] .

وقد فسَّر ابنُ كثير الفتنةَ الواردةَ في الآية الكريمةِ بقوله:"أي: إن لَم تُجانِبوا المشركين وتُوالوا المؤمنينَ، وإلا وقعت فتنةٌ في النَّاس، وهو التباسُ الأمرِ، واختلاطُ المؤمنين بالكافرين، فيقع بين"

(1) صحيح مسلم بشرح النووي، جزء 12، بيروت، دار الفكر، 1403 هـ - 1983، ص 27 - 29.

(2) يوسف السباتين، طريق العزة، (مكان النشر غير معروف) ، 1403 هـ - 1983، ص 63.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت