الصفحة 26 من 35

بالكفِّ آمنين، وبالحمايةِ محروسين" [1] ، ويترتَّب على عَقد الذِّمة عِصمةُ النَّفس والمالِ."

وقد جاء عن سيِّدنا عليٍّ - رضي الله عنه - قوله:"إنَّما قبِلوا عَقد الذِّمة؛ لتكونَ أموالُهم كأموالِنا، ودماؤهم كدمائِنا" [2] .

وقد أشار الكاساني إلى أنَّ صفةَ العقدِ أنه لازمٌ في حقِّ المسلمين، ولا يجوزُ لهم نقضُه مطلقًا، أمَّا في حقِّ الذِّميين فغيرُ لازمٍ، لكنه لا ينتقض إلا بأحد أمورٍ ثلاثةٍ، منها: إسلامُ الذِّمي، ولحاقُه بدار الكفرِ، ومحاربتُه للمسلمين [3] ؛ ولذلك فحِرمان الذِّمي من حقِّ الرَّعوية يجعلُه عديمَ الهويَّةِ، ويحرمُه من حقِّ الانتماء للدَّولة الإسلاميَّةِ التي رضِيَ بإقامةِ أحكامِها عليه بموجب عقدِ الذِّمةِ.

ولذلك؛ فالذِّمي بقَبولِه أحكامَ الإسلامِ وبالإقامة الدَّائمة في دولةِ الإسلام يصبح جزءًا من شعبِ الدَّولةِ الإسلاميةِ، ويحمل رَعويَّتَها [4] ، ومن مُنطلقِ كونِ الدَّولةِ الإسلاميَّةِ دولةَ دعوةٍ تهدفُ إلى تحويل كلِّ دارِ كفرٍ إلى دار إسلامٍ، فمن بابِ أَولى قيامُها بمنحِ رَعويتِها لمن أراد الإقامةَ الدَّائمةَ بها.

كما يمكِنُ التَّأكيدُ - من استقراء المفاهيم الشَّرعية السَّابقةِ - أنَّ الأصلَ في النِّظام الإسلاميِّ منحُ الرَّعويةِ، وليس منعها عمن يريد الحصول عليها، وقد جاءت الآيات والأحاديث الصَّريحة التي تبيِّنُ هذه المعانيَ والمفاهيمَ؛ فمن ذلك قولُه - عز وجل: {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ} [البقرة: 213] ، فالأصل كونُ النَّاسِ على دينِ الله في أمَّةٍ واحدة محكومةٍ بشرعِه، ونزولُ الكتابِ بالحقِّ بعد اختلافهم عن دينِ اللهِ إنَّما هو للحُكم بينهم، وإعادتِهم أمَّةً واحدةً، وقال - تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [الأنفال: 72] .

فهذه الآيةُ الكريمة أُنزلَت على النبيِّ - عليه السلام - عامَّةً في حُكمِها إلى يوم القيامةِ، وقد جعل

(1) الماوردي، الأحكام السلطانية، مرجع سابق، ص 182 - 183.

(2) الكاساني، بدائع الصنائع، مرجع سابق، ص 4330.

(3) المرجع السابق، ص 4334.

(4) الدكتور وهبة الزحيلي، آثار الحرب في الفقه الإسلامي، دراسة مقارنة، دمشق، دار الفكر، 1401 هـ - 1981، ص 177.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت