ولا شك أن نشأة الدولة الأمريكية الحديثة ونهضتها السريعة وسيادتها وقيادتها للعالم، أمر فريد ومتميز فقد اكتشفت أمريكا في الوقت الذي بدأت فيه أوربا تقدمها الحديث في عصورها الوسطى، واندفع إليها المهاجرون من كل حدب وصوب، تحركهم دوافع شتى من ابتغاء الرزق والثراء، وطلب العدل والحرية والفرار من الظلم والاستبداد. ووجدوا فيها أرضا بكرا وسهلا ممهدا ترعرعت فيه افضل ما عرفه العقل الأوربي من أفكار ونظم ومخترعات ومكتشفات وتجمعت فيها الخبرات والثروات. وحين إستقلت الدولة الأمريكية عن بريطانيا في العقود الأخيرة من القرن الثامن عشر الهجري، بدأت تشق طريقها نحو الصعود حتى استوت على ساقها واشتد ساعدها وصارت قوة عالمية عظمي علميا وعسكريا واقتصاديا وسياسيا. وصار تأثيرها واضحا في صنع التاريخ المعاصر منذ الحرب العالمية الأولى، وتبوأت مكانة القطب الأعظم منذ الحرب العالمية الثانية، وصارت القطب الأوحد منذ انهيار القطب السوفيتي قبل عشرين سنة.
ورغم هذه القوة الظاهرة والهيمنة العالمية الفائقة لأمريكا، فإن سيلا من الكتب والبحوث بأيدي أمريكين وأوربيين بدأت تظهر معلنة بداية نهايتها، ومع اختلاف منطلقات هذه الكتب ومناهجها واتجاهاتها إلا أنها تخلص إلى نتيجة واحدة هي أن أمريكا تسير نحو السقوط.