ظهرت مؤخرًا العديد من الكتابات والدراسات التي تتحدّث عن إنهيار الولايات المتّحدة بشكل عام؛ ولكنّ من تحدّثت منها في صلب الموضوع الإنهيار الإقتصادى كان قليلًا جدًا، ومن عالج المسألة بشكل مباشر كان أقل. فكثير هم من يخلطون بين أمانيهم بضرورة إنهيار الولايات المتّحدة والواقع، ويبثّون آراءهم هذه في كل محنة أو مشكلة تقع فيها أمريكا. وأكثر منهم الآخرون الذين يمجدون أمريكا ويُنزّهونها عن كل نقيصة أو ضعف؛ بل وينسبون لها قوة ليست فيها، وينزلونها منزلة أكبر من مكانتها، فلا يرون إمكانية لانهيارها لا حاليًا ولا لاحقًا.
من وجهة نظرنا، فإنّ أي دراسة لقوّة أي أمّة أو دولة إنّما يجب أن يتم من وجهة نظرنا من خلال رصد المثلث: الإقتصادي، العسكري، والإجتماعي لها. هذا المثلث يعطينا فكرة واضحة عن موقع الدولة في ميزان القوّة والضعف، وعن كونها فتيّة وقادرة على زيادة قوّتها أم هرمة وضعيفة، وفي مرحلة الإنهيار أم في مرحلة الوسط بين المرحلتين. مع العلم أن مرحلة الوسط هذه تكون في المقياس الذروة التي تصل إليها الدولة في قوّتها؛ وهي نقطة القمّة، وبعدها تأخذ قوّة الدولة في الانحدار نزولًا.
عندما كتب (توينبي) في الخمسينيات كتابه الضخم المعنون بـ (دراسة التاريخ) اعتبر أن تأثير أمريكا في الحضارة الغربية يعتمد على أن القرن العشرين هو (القرن الأمريكي) أو قرن الرجل العادي، أي: إن البسطاء من الناس سيحصلون فيه على حقوقهم. وفي الواقع فإن أمريكا مع نهاية الحرب العالمية الثانية وفي منتصف القرن العشرين أصبحت قوة عالمية تتمتع بثروة وازدهار لم تعرفهما أي دولة أخرى، كما وصلت إلى أعلى مراتب القوة، ووسعت من مصالحها وتأثيرها إلى ما هو أبعد كثيرًا من حدودها، وارتبط صعود أمريكا باعتبارها قوة عالمية مهيمنة بإعادة هيكلة توزيع القوة في العالم لصالحها، حيث سيطرت على (اليابان) القوة الآسيوية الكبرى، وسيطرت على (ألمانيا) أقوى دولة أوروبية، وكان الإتحاد السوفييتي
(المنهار لاحقًا) لا يزال في مرحلة بناء قوته الاقتصادية، وكانت الدول المستعمَرة في العالم في مرحلة (فراغ القوة) ؛ أي إن الصعود والهيمنة الأمريكية ارتبطت بضعف القوى العالمية الأخرى لصالحها، لكن الأمر لم يكن مرتبطًا بانحطاط القوى
العالمية الأخرى وحسب، وإنما كان مرتبطًا أيضًا بتوافر عناصر القوة الأمريكية الداخلية، فأمريكا في عام 1949 م كانت الدولة الأولى في متوسط دخل الفرد، وكان الفرد الأمريكي هو الأعلى حيازة في العالم للسيارات والتليفونات، واستهلاكًا