فهرس الكتاب

الصفحة 84 من 209

{سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا} .

إن هذا العالم بكل ما فيه ومن فيه من نبات وجماد وحيوان وإنسان وأجرام سماوية، وما يصدر عن هذه الموجودات وما يتعلق بها ويحل فيها، وما يقع من حوادث كونية كنزول المطر وهبوب الريح وثوران بركان وتعاقب الليل والنهار، وما يحصل للإنسان من أطوار خلقه وتكوينه في بطن أمه وما يحدث له وللأمة من شقاء وسعادة ورفعة وسقوط وعلو وانحطاط وقوة وضعف وبقاء وفناء ونحو ذلك كل ذلك الذي ذكرنا وجوده وحدوثه في العالم لا يقع صدفة ولا خبط عشواء وإنما يقع ويحدث وفق قانون عام دقيق صارم لا يخرج عن أحكامه شيء.

إذًا لو التقى الحق الصراح البواح الواضح النقي مع الكفر المدجج بالسلاح؛ لكانت سنة الله تعالى أن يولي الذين كفروا الأدبار: {وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا} [الفتح:22] فأحيانًا يذكر الله تعالى السنة ذكرًا صريحًا مباشرًا، وأحيانًا يذكر الله تعالى آثار هذه السنن على الأمم السابقة، كما في قوله -وهذا كثير جدًا أكتفي بضرب مثلًا أو مثلين- في قوله تعالى: {وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ} [الأحقاف:21] وكما في قوله تعالى: {وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ} [الرعد:6] فيذكر عز وجل عقوبة الكافرين، كما يذكر نجاه المؤمنين وفلاحهم وحمايتهم بقصص من قصصهم فيقول: {وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ} [الأنعام:84] إلى غير ذلك من الآيات.

فيربط الله تعالى تراوح الأمم بين النصر والهزيمة، والقوة والضعف والهدى والضلال، والاجتماع والفرقة، يربط ذلك كله بالسنن الإلهية التي لا تختلف ولا تتغير ولا تتبدل أبدًا، وأحيانًا يذكر الله هذه السنن بغرض دعوة الناس إلى النظر، والتأمل، واستخراج السنة من الأرض والتاريخ، فيقول: {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا} [محمد:10] أي: سيروا في الأرض، انظروا مصارع الغابرين، مصارع الكافرين، فهذه آثارهم وهي بقايا، هذه بقية من منازلهم ومعالمهم، وبقايا حضارتهم تدل عليهم وعلى ما صاروا إليه، وما حدث لهم بعد ذلك.

لقد أحسن الله تبارك وتعالى كل شيء خلقه، وخلق هذا الكون وفق نظام وسنن مطردة، واطراد السنن في الحياة المادية ومعرفة الإنسان بها أعانه على الاستفادة كثيرًا مما في هذا الكون من قوى مادية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت