والإعلام اليهودي لا يكفي تفسيرا لانحياز شعبي كامل يبلغ درجة الاعتقاد، بل هو اعتقاد ديني عميق - كما سنرى لاحقا- في بلد فيه من التعددية الإعلامية وحرية الكلمة ما يكفي لبلورة رأي مخالف لو كان له أنصار.
وموقع إسرائيل في المنطقة العربية لا يكفي لتفسير التحيز الأميركي. فقد كانت إسرائيل دائما مصدر حرج للنفوذ الأميركي في المنطقة العربية، أكثر من كونها مصدر دعم، إضافة إلى أن بعض حكام الدول العربية أغنوا أميركا عن إسرائيل في هذا المضمار.
أما الصوت اليهودي فليس موحدا بالطريقة التي يتخيلها البعض، بل فيه تعدد وتباين واختلاف. كما أن التحيز لإسرائيل أعمق وأرسخ في بعض الولايات الأميركية التي لا تكاد توجد بها جالية يهودية أصلا.
وقد افتخرت صحيفة (جيروسالم بوست) الإسرائيلية مؤخرا بأن ولاية (مينوساتا) الأميركية يمثلها يهودي دائما في مجلس الشيوخ منذ عام 1978 رغم أن عدد اليهود بها لا يتجاوز 1%. وبأن المرشحين لهذا المنصب في الولاية يهوديان هما (نورم كولمان) و (ويلستون) الذي قتل في تحطم طائرة أثناء حملته الانتخابية (جيروسالم بوست 27/ 10/2002) .
ويكفي أن تعرف أن نسبة اليهود في أميركا أقل من 3%، وأن نسبتهم في مجلس الشيوخ 10% لتدرك أن الصوت اليهودي ليس أهم عامل هنا.
إن الرجوع إلى التاريخ والتعمق في الخلفية الدينية المؤطرة للعلاقات بين أميركا وإسرائيل، هو وحده الذي يقدم تفسيرا مقنعا لتلك العلاقات. ومن الكتب التي تقدم رؤية تاريخية موثقة للعلاقات الأميركية الإسرائيلية كتاب (المسيح اليهودي) للكاتب المصري رضا هلال وكتاب (فرض إرادة الرب) Force Gods Hand للكاتبة الأميركية غريس هالسل Grace Halsell وسنرجع إلى هذين الكتابين في بعض المعطيات الواردة في هذا التحليل. و مقال للشيخ محمد مختارالشنقطي.
من"التدنيس"إلى"التقديس"
ظل اليهود في نظر العالم المسيحي بأسره"أمة ملعونة"لمدة ألف وخمسمائة عام، لأنهم - في اعتقاد المسيحيين - حسب عقيدتهم الباطلة - هم قتلة السيد المسيح. وقد عانى اليهود صنوفا من الاضطهاد والازدراء بناء على هذا التصور الذي ترسخ في العقل المسيحي.
وكانت بريطانيا قد طردتهم منها منذ أوائل القرن الثالثَ عشره الميلادي، ومنعتهم
من دخولها مدة ثلاثة قرون، وأدركت فرنسا مكائدهم حتى اضطر"لويس التاسع عشر"لطردهم وحرق تلمودهم، وقال كلمته المشهورة - التي تمثل بها"نابليون": أفضل حجة مع اليهودي أن تغرز خنجرك في معدته (1) .