والقران حيمنا يقص علينا أنباء تلك الامم، فانما يقدم لنا صورةهى الصدق بعنيه، مما يجعلنا نرجع بالذاكرة الى تلك العهود الضاربة في القدم بل والموغلة فيه لنتأمل واقعهم الذى كانوا يعيشونه، وما أسبغه الله عليهم من النعم تستوجب الشكر الدائم بلا أنقطاع، فما رعوها حق رعايتها، ولكن ظلموا أنفسهم (وَما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) فجحدوا النعمة وكفروا بالمنعم، بل واستعانوا بتلك النعم على المعاصى وكذبوا الرسل، فحل بساحاتهم العذاب، وأصبحت ديارهم الفخمة ومبانيهم الشامخة ومغانيهم أثرا من بعد عين، لمن يترسمها ويتوسمها، كى يربا الناس بانفسهم عن الظلم والطغيان، أفرادا وجماعات، وكى تتجة الحياة وجهتها الصحيحة السوية على هدى من مراقبة الواحد الديان، فما يزوال الكثير من أثارهم ماثلا في دنيا الناس، مثل: مدائن صالح، وأطلال سدوم على البحر الميت بالاردن، وأهرامات الفراعنة واثارهم التى تعج بها الديار المصرية في كل مكان، شرقا وغربا وشمالا وجنوبا، يقول الله تعالى: (وَعادًا وَثَمُودَ وَأَصْحابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذلِكَ كَثِيرًا(38) وَكُلاًّ ضَرَبْنا لَهُ الْأَمْثالَ وَكُلاًّ تَبَّرْنا تَتْبِيرًا (39) وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها بَلْ كانُوا لا يَرْجُونَ نُشُورًا (40) [سورة الفرقان: الايات 38 - 40] ونرى مدى أرتباط هلك تلك الدولة والأمم التى سارة على نهجها وسلكت دربها:
سرعة انهيار الحضارات:
وعند تأملي للتاريخ وجدت أن الأمم تأخذ وقتًا طويلًا إلى أن تصل إلى القمة وتنهار في وقت قصير جدًا انظروا إلى حضارات بابل والإغريق واليونان تجدوا هذا واضحًا، بعكس ما حدث للإسلام الذي ساد الأرض في مائة عام ثم أخذ يتقدم ويزداد إلى أن وصل إلى قمة الحضارة وعندما انهار وصار التخلف والانحطاط في الأمة أخذ حوالي 800 عام .. لماذا؟
لأن كل الحضارات الأخرى قامت على مثقفين وفلاسفة وقادة عسكريين وملوك عظام استطاعوا أن ينهضوا بهذه الحضارة وبناؤهم لها كان بطيئًا لأنهم لا يملكون المنهج الفكري الذي يوصلهم إليها، وعندما مات هؤلاء انهارت حضارتهم.
أما الحضارة الإسلامية فإن قوتها ليس في رجالها بقدر ما هي في أصل المنهج العظيم الذي يتوافق مع طبيعة البشر ومع العقل والمنطق والفلسفة والتكنولوجيا.
وعلماء الغرب وقعوا في صراع غير عادل؛ لأنهم عندما أرادوا أن ينهضوا تصادموا مع الكنيسة.
أما في الإسلام فإن الذين قادوا صناعة الحضارة هم علماء الدين، لذلك فإن من أكبر ما يقع فيه المفكرون من خطر هو المقارنة بين حضارة الإسلام والحضارات الأخرى فليس هناك وجه للمقارنة فالحضارة الإسلامية تمتلك منهجًا يختلف اختلافًا جذريًا عن كل مناهج الأرض ويخطأ من يحاول أن يقيس الدولة الإسلامية بالدولة الغربية لأن الدولة الإسلامية تحمل توافقًا بين الدين والدنيا وبين الفكر والواقع.