مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (16) . فقال:"بلى يا ربّ لقد آن"، فلزم سبيل العلم والاستقامة، وكان من الزهّاد العابدين.
* ـ والإرادة الصادقة المغمورة بذلّ العبوديّة لله تعالى والافتقار إليه خير بابٍ للدخول على الله - عز وجل - .. يقول الإمام الربّانيّ عبد القادر الجيلانيّ رحمه الله:"نظرت في أبواب الدخول على الله تعالى فوجدتُها كلَّها مزدحمةً، إلاّ بابَ الذلّ والافتقار .. فدخلت منه إلى اللهِ تعالى".
* ـ ويكشف لنا ذلك الإمام الفذّ تلك الإرادات التافهة، التي لا تفكير لأهلها، ولا همّ لهم إلاّ الدنيا وشهواتها، وكيف تضيع الأعمار وراءها، فيقول:"ضاع العمر في: أكلوا وأكلنا .. وشربوا وشربنا .. ولبسوا ولبسنا ..".. وما اختلف فينا عن ذلك شيء، فنحن اليوم: همّنا ـ إلاّ من رحم ربّك ـ التنافس في المأكل الطيّب .. والمشرب الهنيء .. وقضاء الوطر .. والمركب الجديد .. والمسكن الفخم الواسع .. ثمّ قضاء أيّ وقت فراغ في اللهو واللعب .. وربّما خاصم أهله أشدّ المخاصمة على تقصيرهم في أنواع المأكل والمشرب .. ثمّ يظنّ نفسه أنّه من صفوة الأمّة وخيارها .. وما أصدق قول الشاعر الحطيئة في كثير منّا [1] :
(1) وقد قاله في الزبرقان بن بدر يهجوه، فشكاه الزبرقان إلى الخليفة عمر - رضي الله عنه -، فحكّم عمر - رضي الله عنه - الشعراء في ذلك، فعدّوه من أمرّ الهجاء وأقذعه .. وهو اليوم ممّا يتمدّح به الناس، ويفتخرون!!