بِكَثْرَةِ المَالِ، فَكَمْ مِنْ مُكْثِرٍ شَقِيٌّ، وَمُقِلٍّ سَعِيدٌ. وَكَيْفَ يَكُونُ الْجَاهِلُ الغَنِيُّ سَعِيدًا، وَالجَهْلُ يَضَعُهُ.؟ أَمْ كَيْفَ يَكُونُ الْعَالِمُ الْفَقِيرُ شَقِيًّا وَالْعِلْمُ يَرْفَعُهُ؟ وَقَدْ قِيلَ فِي مَنْثُورِ الْحِكَمِ: كَمْ مِنْ ذَلِيلٍ أَعَزَّهُ عِلْمُهُ، وَمِنْ عَزِيزٍ أَذَلَّهُ جَهْلُهُ .. وَأَنَا أَسْتَعِيذُ بِاَللَّهِ مِنْ خِدَعِ الجَهْلِ المُذِلَّةِ، وَبَوَادِرِ الحُمْقِ المُضِلَّةِ، وَأَسْأَلُهُ السَّعَادَةَ بِعَقْلٍ رَادِعٍ، يَسْتَقِيمُ بِهِ مَنْ زَلَّ، وَعِلْمٍ نَافِعٍ يَسْتَهْدِي بِهِ مَنْ ضَلَّ. فَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ قَالَ: «إذَا اسْتَرْذَلَ اللهُ عَبْدًا حَظَرَ عَلَيْهِ العِلْمَ» [1] .
فَيَنْبَغِي لِمَنْ زَهِدَ فِي العِلْمِ أَنْ يَكُونَ فِيهِ رَاغِبًا، وَلِمَنْ رَغِبَ فِيهِ أَنْ يَكُونَ لَهُ طَالِبًا، وَلِمَنْ طَلَبَهُ أَنْ يَكُونَ مِنْهُ مُسْتَكْثَرًا، وَلِمَنْ اسْتَكْثَرَ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ بِهِ عَامِلًا، وَلاَ يَطْلُبُ لِتَرْكِهِ احْتِجَاجًا، وَلاَ لِلتَّقْصِيرِ فِيهِ عُذْرًا. وَقَدْ قَالَ الشَّاعِرُ:
فَلاَ تَعْذِرَانِي فِي الإسَاءَةِ إنَّهُ ... شِرَارُ الرِّجَالِ مَنْ يُسِيءُ فَيُعْذَرُ
وَلاَ يُسَوِّفُ نَفْسَهُ بِالمَوَاعِيدِ الكَاذِبَةِ، وَيُمَنِّيهَا بِانْقِطَاعِ الأشْغَالِ المُتَّصِلَةِ، فَإِنَّ لِكُلِّ وَقْتٍ شُغْلًا، وَلِكُلِّ زَمَانٍ عُذْرًا. وَقَالَ الشَّاعِرُ:
نَرُوحُ وَنَغْدُو لِحَاجَاتِنَا ... وَحَاجَةُ مَنْ عَاشَ لاَ تَنْقَضِي
تَمُوتُ مَعَ الْمَرْءِ حَاجَاتُهُ ... وَتَبْقَى لَهُ حَاجَةٌ مَا بَقِيَ
(1) رواه الشهاب القضاعي في مسنده بلفظ: «ما استرذلَ اللهُ عبدًا إلاّ حظرَ عنه العلمَ والأدبَ» عن أبي هريرة - رضي الله عنه - 3/ 225/.