الصفحة 57 من 88

وَيَقْصِدُ طَلَبَ الْعِلْمِ وَاثِقًا بِتَيْسِيرِ اللَّهِ، قَاصِدًا وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى بِنِيَّةٍ خَالِصَةٍ، وَعَزِيمَةٍ صَادِقَةٍ» [1] .

إنّ الأخذ بالعلم، والتفوّق فيه، والطموح إلى أعلى درجات التخصّص فيه، وبخاصّة في هذا العصر هو سبيل الرقيّ والتقدّم، وهو ما لا يريده لنا أعداؤنا، ويتّخذون كلّ وسيلة لصدّنا عنه، وإشغالنا بتوافه الأمور.

وأظهر تلك التوافه أن يكون قصارى همّة الإنسان أن ينال الشهادة الدراسيّة مهما علت .. ليتفاخر بها بين الأقران، ويتصدّر بها في المجالس، ويتباهى بها بين الناس، ويتّخذها حرفةً للارتزاق .. ثمّ يتناسى ما تعلّم حتّى يكون أشبه بالعامّة، ولكنّ فرقه عنهم أنّه يتعالم، ويعترفون بجهلهم، إذ منحته تلك"الورقة"الجهل المركّب ..

والعلم يمنح الإنسان سعة الصدر، ونفاذ البصيرة، والثبات على الحقّ، فلا ييأس ولا يحبط، ولا يتجَاوز حدّه ولا يَشتطّ، مهما أحاطت به الشدائد والمحن، والإنسان يحتاج دائمًا إلى منشّطات الأمل، وكوابح الغرور، فإنّ يأسه من النجاح يقوده إلى السقوط، واغتراره بما عنده يمنعه التقدّم والسبقَ [2] . ولا شيء كالعلم يحقّق له ذلك ..

وينبغي أن نعلم أنّ ضمورَ العلم والمعرفة يقابله، ولا ينفكّ عنه: تضخّم الهوى وتحكّمه، وهو بلاء لا آخر له .. وعِلاجه: تكثير المعارف ذات النوعيّة المؤثّرة، حتّى يتّسع الأفق النفسيّ للإنسان ويرقى، وتربية الضمير، حتّى لا يستكين للشهوات ويذلّ، والأفراد والجماعات في ذلك سواء ..

والتقصير في العلم يعني التخلّف بكلّ جوانبه ومناحيه، وأنواع العلل التي تنخر في جسد الأمّة وكيانها، ووخيم آثارها ..

فهل لفئة راشدة، أو أمّة عاقلة: أن تختار هذا الطريق، وتوغل في مسالكه، وتقنع بنتائجه وآثاره.؟!

وأمّا الحكمة فهي أعظم نعمة يمنّ الله تعالى بها على الإنسان بعد نعمة النبوّة، يقول الله - عز وجل: {يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (269) } البقرة. ويقول الله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ .. (12) } لقمان.

"والحكمة لا يمكن خروجها عن معنيين هما: العلم، وفعل الصواب، فهي تنقسم إلى حكمة نظرية، وحكمة عملية، ولابدّ من اجتماعهما في السلوك الكامل" [3] . وأحسن ما جاء في تعريفها وأجمعه قول الإمام النوويّ رحمه الله:"إنها العلمُ المتّصفُ بالإحكامِ، المشتمِلِ على المعرفةِ باللهِ تعالى، المصحوبِ بنفاذِ البصيرةِ، وتهذيبِ النفسِ"

(1) ـ أدب الدنيا والدين ص/53/.

(2) ـ من كلام الشيخ محمّد الغزاليّ في بعض كتبه، بتصرّف وزيادة.

(3) ـ انظر: تفسير الإمام الرازي 2/ 347 / و 2/ 283 / في تعريف له جامع للحكمة، وانظر"المدخل إلى علم الدعوة"ص/ 17 /بتصرف وقد اعتمدت في هذا التقسيم عليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت