الصفحة 58 من 88

والأخلاقِ، وتحقيقِ الحقّ والعملِ به، والصدّ عن اتِّباعِ الهوى الباطل، والحكيمُ مَن له ذلكَ" [1] ."

فقَد جمع هذا التعريف صحّةَ العلم، وَسَداد العمل، وسلامة القصد وانضِباط السلُوك، المعبّر عنه بتهذيبِ النفسِ، والبعد عن الهوى، وكلّ ذلك من لوازم الاستقَامة على منهج الحقّ.

ويمكن أن نفهم العلاقة بين العلم والحكمة: أنّ العلم بمثابة المادّة الخام، التي تتصرّف بها الحكمة، فتضعها مواضعها، وتحسن توظيفها، وتصنع منها ما ينفع الفرد والجماعة، وتقتبس من نورها في كلّ مناسبة .. فإن لم يقترن العلم بالحكمة التي تقوده وتضبطه، وتهديه وترشده، وتسمو به وتهذّبه كان وبالًا على صاحبه، وكارثة على مجتمعه .. وكان مثله كمن بيده مصباح، ولكنّه يغمض عينيه، ويخبط في الأرض على غير هدى ..

وقد شاع عند العلماء والعامّة قولهم:"فلان علمه أكبر من عقله"، يقولونها عمّن لا يحسن توظيف علمه بحكمة، ولا يضعه مواضعه، والحكيم يغنيه قليل العلم عن كثيره .. لأنّه يحسن توظيف ما عنده من العلم، فلا تطغى فروع علمه وغرائبه على أصوله وثوابته، ولا متشابهه على محكمه .. فليست بضاعته من العلم خفيفة مزجاة، ليشبه حاله ما قيل:"حفظتَ شيئًا وغابَت عنكَ أشياءُ".

(1) ـ انظر فيض القدير للمناوي 3/ 416 /.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت