الصفحة 48 من 61

وفي الوقت نفسه جاء ليحرر الإنسان من رواسب الجاهلية التي ما أنزل الله بها من سلطان، والتي منها التعصب الجاهلي للقبيلة والمنطقة، ومجاوزة الحد الشرعي في ذلك، قال صلى الله عليه وسلم: (أربع في أمتى من أمر الجاهلية لا يتركونهن الفخر في الأحساب والطعن في الأنساب والاستسقاء بالنجوم والنياحة) متفق عليه.

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم في خطبته يوم فتح مكة (إن الله قد أذهب عنكم عُبِّيَّة الجاهلية [1] وفخرها بالآباء، مؤمن تقي وفاجر شقي، أنتم بنو آدم وآدم من تراب، ليدعن رجال فخرهم بأقوام إنما هم فحم من فحم جهنم أو ليكونن أهون على الله من الجعلان التي تدفع بأنفها النتن) .

إن الرابطة الحقيقية التي تجمع المسلمين وتجعلهم متوالين متناصرين كالجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر، هي رابطة التوحيد.

وليست الولاية والنصرة مرتبطة بمن هو من قبيلتي ومنطقتي، فهذا المنطق هو من صميم الجاهلية المذمومة، بل الولاية والنصرة الحقيقية منوطة بما ذكره الله تعالى بقوله: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمْ الْغَالِبُونَ} .

تأمل أخي المجاهد حال أبي لهب الذي هو عم النبي صلى الله عليه وسلم بسبب كفره ومحاربة لدين الله، أنزل الله فيه سورة تتلى إلى يوم الدين {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ} وبمقابل ذلك تأمل مكانة سلمان الفارسي وبلال الحبشي وصهيب الرومي رضي الله عنهم أجمعين، ما صنفوا في دين الله أبدًا على أساس أن هذا رومي وهذا فارسي وهذا حبشي، وإنما كلهم متساوون كأسنان المشط بتصنيف العقيدة والتوحيد، لقد رفع الإسلام سلمان فارس وقد وضع الكفر الشريف أبا لهب.

إن الجهاد الحقيقي هو الجهاد الذي انغرست فيه معاني الولاء والبراء، فلا يتزعزع

(1) جاء في عون المعبود لأبي داود: (عُبِّيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ) أَيْ فَخْرَهَا وَتَكَبُّرَهَا وَنَخْوَتَهَا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت