إن النفوس مجبولة على التمسك بما تملكه والشح فيه، وعدم إخراجه إلا بما يشق عليها.
وإن الإسلام جاء ليقضي على هذه العادة السيئة التي هي من أعمدة البلاء على المسلم في دينه ودنياه.
فشرع في ديننا الزكاة ليطهر المسلم ماله ويزكيه، وحث على إطعام الطعام ومساعدة الفقراء والمساكين، سدًا لحاجتهم، وجبرًا لنفوسهم، وتزكية لنفس المسلم.
قال تعالى: {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} .
وقد تمثلت صور الإيثار في أبهى حللها في حياة الصحابة رضي الله عنهم، وضربوا أروع الأمثلة في إيثارهم لإخوانهم المهاجرين ما تحبه نفوسهم.
روي عن ابن عباس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم النضير للأنصار: (إن شئتم قسمتم للمهاجرين من أموالكم ودياركم، وتشاركونهم في هذه الغنيمة، وإن شئتم كانت لكم دياركم وأموالكم، ولم يقسم لكم شيء من الغنيمة) فقالت الأنصار: بل نقسم لهم من أموالنا وديارنا، ونؤثرهم بالغنيمة، ولا نشاركهم فيها، فأنزل الله عز وجل: {وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} .
وقد اشتهرت معاني الإيثار من الأنصار لإخوانهم المهاجرين حتى قال المهاجرون: يا رسول الله، ما رأينا مثْل قوم قدمنا عليهم، حسن مواساة فِي قليل، ولا حسن بذل في كثير، لقد كفونا المؤُونةَ، وأشركونَا في المهنأ، حتى لقد خشينا أن يذهبوا بالأجر كله.