إن هذه الإنتكاسة العظيمة، والتي تجعل العبد في آخر زمانه، يرتد على عقبيه، بعد أن كان عاملًا مطيعًا، لها سرٌ رهيبٌ، أخبرنا عنه صلى الله عليه وسلم في رواية أخرى، فقال صلى الله عليه وسلم: (إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس، وهو من أهل النار) .
فقوله: (فيما يبدو للناس) فيه إشارة إلى أن باطن هذا الرجل، فيه أمرٌ خفيٌ لا يُظهره للناس، والذي يبدو - والله أعلم - أنه مرض من أمراض القلوب، من حب الزعامة والرياسة، وحب الشهرة والتفاخر، ومحبته أن يقال عنه فلان بطل، وقد صنع وفعل، وقاد ورتب، ونظم ودرب، إلى غير ذلك من أمراض القلوب، التي تبطل عمل العاملين.
قال صلى الله عليه وسلم: (إن أول الناس يقضى يوم القيامة عليه، رجلٌ استشهد، فأتى به، فعرفه نعمه، فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدت، قال: كذبت، ولكنك قاتلت لأن يقال جريء، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه، حتى ألقي في النار) رواه مسلم.
وليس المقصود هنا محبة المؤمن فعل الخير، وأن يرى أثر فعله الحسن، فهذا أمر محمود قال صلى الله عليه وسلم: (من سرته حسنته وساءته سيئته فذلك المؤمن) رواه الترمذي وصححه الألباني.
ولكن المقصود، ذلك الذي يحب أن يتحدث الناس عنه، وأن يطروا محاسنه وأفعاله، ومن علامة ذلك، حبه للتشرف، ومنازعته لكل أمر يراه، ومخاصمتِه ومنابذتِه لإخوانه إن لم يستجيبوا لرأيه، بل ويصل الحال أحيانًا أن يؤلب عليهم غيرهم، وإن لم يظهر منه ذلك صراحة، لكنه يضمرها في نفسه، أو يسعى لها رويدًا رويدًا.
إن من مظاهر الفتنة عند بعض الناس: -
أنه يتعامل مع دين الله كما يتعامل التاجر مع البضاعة، إن أعجبته وإلا تركها وبحث عن غيرها، وهؤلاء المفتونون، يتعاملون مع دين الله معاملة مادية، فإن لم يجدوا من