حاملها حين تتلقفه شبهات التعصب الجاهلي، فها هو مصعب بن عمير رضي الله عنه أوصى الأنصاري الذي أسر أخاه يوم بدر وقال له: شد يديك به، فإن أمه ذات متاع، لعلها تفديه منك، فقال له أخوه: أهذه وصاتك بي؟ فقال مصعب: إنه ـ أي الأنصاري ـ أخي دونك.
وفي نفس الغزوة قتل أبو عبيدة بن الجراح رضي الله عنه أباه وكان أبوه يومئذ في صفوف المشركين، وقتل عمر بن الخطاب رضي الله عنه خاله العاص بن هشام، ولم يلتفت إلى قرابته منه.
فأين المدعون للعصبية الجاهلية عن هذا، وإلى الله المشتكى.
وتعصب يومًا بعض غلمان الصحابة، فقال الغلام المهاجر (يا للمهاجرين) ، وقال الغلام الأنصاري (يا للأنصار) فسمع ذلك النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم فقال: (مَا بَالُ دَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ) ثم قال صلى الله عليه وسلم: (دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ) . نعم والله إنها منتنة وما أشد نتنها على عقيدة المسلم.
إن مما يؤسف حقيقة أن تجد إخوة لنا في الدين والعقيدة جمعنا بهم طريق الجهاد في سبيل الله، جمعنا بهم التضحية والفداء لدين الله، جمعنا بهم كلمة التوحيد لا إله إلا الله، تراهم يتساقطون عندما تصاب عصبيتهم القبلية الجاهلية بسوء، وهذا كله بسبب ضعف الولاء والبراء عندهم، متناسين حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم (من قاتل تحت راية عمية يغضب لعصبة أو يدعو إلى عصبة أو ينصر عصبة فقتل فقتلة جاهلية) رواه مسلم.
إن عقيدة الولاء والبراء أخي في الله ليست حبرًا يكتب على ورق، وليست حديثًا يتذاكره الناس في المجالس، إنها عقيدة ربانية دونها سيل من التضحيات، يكثر المتساقطون دونها خاصة إن لا مست قول الله تعالى: {وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ} أو لا مست قول الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنْ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ} .