رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الزكاة، فقال: هل علي غيرها؟ قال: (لا، إلا أن تطوع) . قال: فأدبر الرجل وهو يقول: والله لا أزيد على هذا ولا أنقص منه. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (أفلح إن صدق) [1] .
والشاهد من الحديث قول النبي - صلى الله عليه وسلم: (خمس صلوات في اليوم والليلة) .
فدل على أن الفرض من الصلاة انحصر في هذه الفروض الخمس، وما سواها نفل.
قال بدر الدين العيني الحنفي - رحمه الله: (فأما الاستخارة فدل على عدم وجوبها للأحاديث الصحيحة الدالة على انحصار فرض الصلاة في الخمس) [2] .
وقال العراقي: (( ودل على عدم وجوب الاستخارة ما دل على عدم وجوب صلاة زائدة على الخمس في حديث: هل علي غيرها؟ قال:(لا إلا أن تطوع ) )) [3] .
ولكن هذا الدليل يصلح للاستدلال به على عدم وجوب ركعتي الاستخارة، فهو صرف الأمر في حديث جابر إلى الندب، وبقي الأمر في الدعاء على ظاهره يدل على الوجوب يحتاج إلى صارف.
وبين الحافظ رحمه الله كيف أن الدعاء مندوب أيضًا وليس بواجب وذلك كما في قوله السابق قبل قليل وهو قوله: (( فكأنهم فهموا أن الأمر فيه للإشارة فعدلوا به عن سنن الوجوب، ولما كان مشتملًا على ذكر الله والتفويض إليه كان مندوبًا والله أعلم ) ) [4] اهـ.
ومعنى كلام الحافظ رحمه الله أن الصارف للأمر شيئان.
الأول منهما: أن العلماء فهموا أن الأمر في قوله:"فليركع ركعتين من دون الفريضة ثم يقول"فهموا أن الأمر فيه من باب المشورة، لا من باب الإلزام، أي: يشير عليهم النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى الأفضل، وذلك كأن ننصح رجلًا ما يريد وجهة ما فنقول له: اذهب من ذاك الطريق الغربي فهو أيسر لك، فالمشورة هنا واضحة أنها للإلزام والوجوب؛ فكأن النبي - صلى الله عليه وسلم - يشير عليهم وينصحهم بالاستخارة.
والثاني منهما: حيث إن الأمر هنا في باب الدعاء، وأصل الدعاء من باب الندب والاستحباب كان هذا كذلك.
وحيث إن هذا الدعاء فيه تفويض الأمر لله، وترك الأمر له كان ندبًا والله أعلم.
(1) أخرجه البخاري في كتاب الإيمان برقم (46) الفتح (2/ 142) ، ومسلم واللفظ له في كتاب الإيمان برقم (100) مسلم - النووي (1/ 119 - 120) ، وأبو داود في سننه (391) (1/ 104) ، والنسائي برقم (457) (1/ 246) .
(2) عمدة القارئ (7/ 233) .
(3) الفتح (11/ 221) .
(4) الفتح (11/ 222) .