المبحث الثاني
الجمع بين الاستخارة والاستشارة
وبيان خصال من يلجأ إليه للمشورة
إن الله سبحانه بكرمه وحكمته امتن على بعض عباده بعقل راجح، ونظر ثاقب وحكمة بليغة، وتجارب في الحياة كبيرة، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، لذا كان الأسعد للمسلم أنه إذا اختار ربه في أمر ما، استشار ذوي العقول الناصحة فالجمع بين الاستخارة والاستشارة من كمال الحكمة والفهم والسلامة.
ومن أحسن ما قيل:
شاور سواك إذا نابتك نائبة ... يومًا وإن كنت من أهل المشورات
فالعين تلقى كفاحًا من نأى ودنا ... ولا ترى نفسها إلا بمرآة [1] .
وقال ابن الحجاج المالكي - رحمه الله-:"والجمع بين الاستخارة والاستشارة من كمال الامتثال للسنة، فينبغي للمكلف أن لا يقتصر على إحداهما، فإن كان ولابد من الاقتصار فعلى الاستخارة لما تقدم من قول الراوي: (كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها ما يعلمنا السورة من القرآن) . والاستخارة والاستشارة بركنهما ظاهرة بينة لما تقدم ذكره من الأمثال للسنة والخروج عما يقع في النفوس من الهواجس والوساوس وهي كثيرة متعددة."
وقال بعض السلف: (من حق العاقل أن يضيف إلى رأيه آراء العلماء ويجمع إلى عقله عقول الحكماء، فالرأي الفذ ربما زل، والعقل الفرد ربما ضل) [2] .
وقال أبو الحسن المارودي الشافعي - رحمه الله: (ومن الحزم لكل ذي لب أن لا يبرم أمرًا ولا يمضي عزمًا إلا بمشورة ذي الرأي الناصح ومطالعة ذي العقل الراجح؛ فإن الله أمر بالمشورة نبيه - صلى الله عليه وسلم - مع ما تكفل به من إرشاده وعونه وتأييده فقال تعالى: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ} ) [3] .
(1) انظر كشف الخفا للعجلوني (2/ 185 - 186) .
(2) المدخل (4/ 40 - 41) بتصرف يسير.
(3) نقله ابن الحاج في المدخل (4/ 41) .