ولأنه أيضًا من المستقر والمعروف في الشرع أن الصلاة والعبادات إذا أخرت لسبب ما ويفوت وقتها تفعل حسب الإمكان والقدرة، فالمريض الذي لا يستطيع الوضوء لمرض ألم به يتيمم، وإن لم يستطع التيمم صلى على حاله التي هو عليها ولا يؤخر الصلاة عن وقتها، والمريض الذي لا يستطيع استقبال القبلة صلى ولو إلى غير القبلة ولا ينتظر ولا يؤخر الصلاة عن وقتها، وقس على ذلك الكثير، فاعتبار الوقت في الصلاة مقدم على بقية الواجبات وكذلك الأمر في التطوع.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله: (ذوات الأسباب تفعل في وقت النهي، فقد كتبنا فيما تقدم في الإسكندرية وغيرها كلامًا مبسوطًا في أن أصح قولي العلماء وهو مذهب الشافعي وأحمد في إحدى الروايتين عنه، اختارها أبو الخطاب) .
ثم ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية الأدلة على جواز فعل الصلوات ذوات الأسباب في وقت النهي ثم قال:(فالشرع قد استقر على أن الصلاة بل العبادة التي تفوت إذا أخرت تفعل بحسب الإمكان والوقت ولو كان في فعلها من ترك الواجب، وفعل المحظور ما لا يسوغ عن إمكان فعله في الوقت، مثل الصلاة بل قراءة، وصلاة العريان، وصلاة المريض، وصلاة المستحاضة، ومن به سلس البول، والصلاة مع الحديث بلا اغتسال ولا وضوء، والصلاة إلى غير القبلة، وأمثال ذلك من الصلوات التي يحرم فعلها، إذا قدر أن يفعلها على الوجه المأمور به في الوقت.
ثم إنه يجب عليه فعلها في الوقت مع النقص لئلا يفوت، وإن أمكن فعلها بعد الوقت على وجه الكمال.
فعلم أن اعتبارات الوقت في الصلاة مقدم على سائر واجباتها، وهذا في التطوع كذلك فإنه إذا لم يمكنه أن يصلي عريانًا، أو إلى غير القبلة أو مع سلس البول، صلى كما الفرض؛ لأنه لو لم يفعل إلا مع الكمال تعذر فعله فكان فعله مع النقص خيرًا مع تعطيله.
وإن كان كذلك فذوات الأسباب إن لم تفعل وقت النهي فاتت وتعطلت، بطلب المصلحة الحاصلة به، بخلاف التطوع المطلق، فإن الأوقات فيها سعة، فإذا ترك في أوقات النهي حصلت حكمة النهي، وهو قطع للتشبه بالمشركين الذين يسجدون للشمس في الوقت [1] ، وهذه الحكمة لا يحتاج حصولها إلى المنع من جميع الصلوات كما تقدم، بل يحصل المنع فيكفي التطوع المطلق).
(1) يعني: عند طلوع الشمس وعند غروبها.