لَوْحٍ مَحْفُوظٍ)، ظل القرآن في لوح محفوظ لا يصل إليه علم البشر ولا يسعد بالنظر إليه سوى الملآئكة المقربون، وقد أكدت سورة عبس هذا المعنى، قال تعالى (كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ بِأَيْدِي سَفَرَةٍ كِرَامٍ بَرَرَةٍ) ولعل هذا سر قول الرسول صلى الله عليه وسلم (الذي يقرأ القرآن وهو ماهر به مع السفرة الكرام البررة , والذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران) متفق عليه، أما قوله تعالى (لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ) فقد كاد فقهاء المسلمين أن يجمعوا على أن مس المصحف لا يجوز إلا للمتوضئ، ومن أجاز ذلك بغير وضوء أجازه للتعليم فقط، أما للتعبد بتلاوته فلابد من الوضوء، لأن دراسة القرآن عند المسلمين أوجبت هذا الحكم، ولكن الخلاف بين الفقهاء , يدور حول النقاط الآتية:
أولا: هل قوله تعالى (لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ) هو مصدر الحكم في وجوب التطهر، أم هناك مصدر آخر أخذ منه الحكم؟، من استدل بالآية الكريمة على وجوب الوضوء اعترض عليه بأن لفظ الآية خبري، وأن (لا) في قوله تعالى (لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ) نافية وليست ناهية، لأنها لو كانت ناهية لجزم الفعل بعدها، وأجاب أصحاب هذا الرأي بأن الآية الكريمة وإن كانت خبرية لفظًا إلا أنها إنشائية معنى، فلفظها الخبر ومعناها النهى، وهذا النوع من الآيات موجود كثيرا في القرآن الكريم ومن ذلك قوله تعالى (وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ) ، فاللفظ خبري والمعنى طلبي، (قصد بالتعبير بالجمل الخبرية عن المعاني الإنشائية هو الإشعار بسرعة استجابة المأمورين بالأمر) ، ولكن هذا الرد مع وجاهته لم يسلم من الاعتراض، فقد اعترض بأن نقل الآية من معناها الخبري إلى المعنى الإنشائي لا يجوز إلا لضرورةٍ مانعةٍ من إرادة المعنى الأصلي ولا ضرورة هنا 0
ثانيا: أن سورة الواقعة مكية وموضوعها هو تقرير عقيدة البعث وإثبات نزول القرآن من عند الله , فلا يجوز صرفها عن موضوعها إلى حكم فرعى وهو مس المصحف، وقد استدل ابن تيمية رحمه الله على الحكم الشرعي من وجه لطيف فقال: إن الآية الكريمة تدل على الحكم من باب (الإشارة) فإذا كان الله تبارك وتعالى يخبر أن المصحف المطهر في السماء لا يمسه إلا المطهرون فالمصحف الذي بين أيدينا كذلك ينبغي أن لا يمسه إلا طاهر (1)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 -الكتاب: سورة الواقعة ومنهجها في العقائد (دراسات في التفسير الموضوعي للقرآن الكريم) للشيخ محمود غريب - الناشر: دار التراث العربي - الطبعة: الثالثة - 1418 هـ - 1988 م - القاهرة