قال أبو إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي النيسابوري: وقالوا: لا يجوز لأحد حمل المصحف ولا مسّه حتى يكون على صفة يجوز له الصلاة، قال: هذا مذهب جمهور الفقهاء إلاّ إن أبا حنيفة لا يمنع من حمله بعلاّقة ومسّه بحائل، والاختيار أنه ممنوع منه، لأنه إذا حمله في جلده فإنما حمله بحائل ومع هذا يُمنع منه، وذهب الحكم وحماد وداود بن علي إلى أنه لا بأس بحمل المصحف ومسّه على أي صفة كانت سواء كان طاهرًا أو غير طاهر، مؤمنًا أو كافرًا، إلاّ أن داود قال: لا يجوز للمشرك حمل المصحف، والدليل على أنه لا يحمل المصحف ولا يمسّه إلاّ طاهرًا ما روى أبو بكر محمد بن عمرو ابن جرم عن أبيه عن جده أن النبي (صلى الله عليه وسلم) لما بعثه إلى اليمن كتب في كتابه ألاّ يحمل المصحف ولا يمسّه إلاّ طاهرٌ، وروى سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: (لا تمس القرآن إلاّ وأنت طاهر) ، ولأن به إجماع الصحابة، وروي أن عليًا سُئل: أيمس المحدث المصحف؟ قال: (لا) ، وروي أن مصعب بن سعد بن أبي وقاص كان يقرأ من المصحف فأدخل يده فحك ذكره فأخذ أبوه المصحف من يده. وقال: قم فتوضأ ثم خذه، ولا مخالف لهما في الصحابة، وقال عطاء لا يمسه إلاّ المطهرون قال: لا يقلب الورق من المصحف إلاّ المتوضئ، واستدل المبيحون بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قيصر وفيه بسم الله الرحمن الرحيم (قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم) الآية، وأجاز الفقهاء ذلك إذا دعته ضرورة أو حمله عذر عليه 0
وقال أبو إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي النيسابوري: وأما الصبيان فلا صحابنا فيه وجهان:
أحدهما: أنهم يمنعون منه كالبالغين 0
الثاني: أنهم لا يُمنعون، لمعنيين:
أحدهما: أن الصبي لو منع ذلك أدّى إلى ألاّ يتلقن القرآن ولا يتعلمه ولا يحفظه، لأن وقت تعلمه وحفظه حال الصغر 0
الثاني: أن الصبي وإن كانت له طهارة فليست بكاملة لأن النية لا تصحّ منه، فإذا جاز أن يحمله على طهر غير كامل جاز أن يحمله محدثًا والله أعلم (1) ، وقال الشيخ محمود غريب: لا أعرف خلاف بين المذاهب الأربعة في تحريم قراءة القرآن الكريم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 -الكشف والبيان لأبي إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي النيسابوري
دار النشر: دار إحياء التراث العربي - بيروت - لبنان - 1422 هـ - 2002 م
الطبعة: الأولى - تحقيق: الإمام أبي محمد بن عاشور ومراجعة وتدقيق الأستاذ نظير الساعدي