فهرس الكتاب

الصفحة 141 من 272

ونحب مناقشة هذه الدلالات، فأما الدلالة على التفصيل فهو دلالة مكتسبة من التركيب كله، ولا يمكن أن يدل التركيب على التفصيل ما لم يسبق التركيب أمر مجمل ولابد من أن يتكرر التركيب، مثال ذلك:

الجماعة تفرقوا: أما زيدٌ فخرجَ إلى السوق، وأما سعيدٌ فذهبَ يعودُ مريضًا، واما محمد ففي الحديقة.

فالتفصيل المفهوم جاء من ذكر الجمل المتعاقبة، وبذلك فصلنا القول في تفرق الجماعة، ويمكن الحصول على النتيجة نفسها بدون هذا التركيب.

أما الدلالة على الشرط فتجيءُ كما بين الرضى من أنها (لاستلزام شيءٍ لشيءٍ أي أن ما بعدها شيءٌ يلزمه حكم من الأحكام ومن ثم قيل إنَّ فيه معنى الشرط لأن معنى الشرط أيضا هو استلزام شيءٍ لشيءٍ أي استلزام الشرط للجزاء كما ذكرنا في الظروف المبنية والمعنى الثاني أي الاستلزام لازم لها في جميع مواقع استعمالها بخلاف معنى التفصيل فإنها قد تتجرد عنه) [1] .

والحقيقة أن هذا النص ينطوي على فهم جيد لوظيفة التركيب فهو حقا يفيد أن ما بعد (أما) شيء يلزمه حكم من الأحكام، ولكن الذي ننكره هو ربط هذا الاستلزام بالشرط، فليس كل شيئين تلازما فيهما معنى الشرط، لأن هذا التلازم بين حدود الجملة ما لم ينشأ هذا وتحصيل حاصل، إذْ لا تتحقق الفائدة من الجملة ما لم ينشأ هذا التلازم، فالمبتدأ والخبر متلازمان، والفعل والفاعل متلازمان، وليس في ذلك معنى الشرط، ولسنا نقصد أن التلازم الذي تحدثه (أما ... . فـ ... .) هو بدرجة تلازم المبتدأ والخبر، بل هو- بلا شك - أقوى.

أما فهم النحاس لـ (أمّا) وهو الخروج من شيءٍ لشيءٍ، فلأنه يُستأنف بها كلام جديد، حيث أن التركيب له استقلال داخلي يفصله عما قبله مثال ذلك في الخطب بعد الحمد لله نجد الاستئناف بقوله: (أما بعد فـ ... ) .

أما المعنى الذي ذكره الزمخشري فلا يمكن إدراكه على المستوى الكتابي للغة وإنما على المستوى النطقي، ولابد لكي يفهم من التركيب التوكيد أن تُنغَّم الجملة على نحومخصوص وهذا التنغم المخصوص هو القرينة الوحيدة الدالة على التوكيد، وعلى هذا لا يكون التركيب دالا على التوكيد في الوضع، وإنما أضاف إليه التنغم قيمة توكيدية، ولاشك أن تنغم الجمل من الأُمور الخطيرة في اللغة، وينبغي مراعاته والالتفات إلى دراسته فالجملة الخبرية يمكن أن تكون استفهامية بما يصحبها من تنغم معين. والتنغم وغيره من القدرات الصوتية التي يلوّن بها المتكلم جملة تضفي على تلك الجمل معان تفقدها إذا كتبت.

أما الوظيفة التي نرى أن التركيب يؤديها فهي تحديد المحكوم عليه والحكم، فما بعد (أما) هو ما ينسب إليه ما بعد الفاء، ويتعلق به، لذلك يأتي بعد أما المخصوص بالعناية، والذي يدور معنى الجملة عليه سواء كان فاعلا أو مفعولا، وذلك نحو: (أما زيدٌ فقد خرجَ) ، و (أما زيدًا فاضْربْ) وفي اللغة المعاصرة نجد أن التصريح بلفظ

(1) الرضى، شرح الكافية 2: 395.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت