وهكذا لا نجد فرقا في المعنى، وكذلك في الفاء التي يكون معها الإتيان سببا في الحديث، والمحصلة واحدة، وهذا ما فهمنا من نص الكتاب: (وإنما كان الجزم الوجه لأنه إذا نصب كان المعنى معنى الجزم فيما أراد من الحديث، فلما كان ذلك كان أن يحمل على الذي عمل فيما يليه أولى، وكرهوا أن يتخطوا به من بابه إلى باب آخر إذا كان يريد شيئا واحدا) [1] ، ولعل تفصيل الجزم على النصب مع الواو والفاء راجع إلى أن النصب معهما إنما يحسن في سياق النفي [2] . ولذلك حسن النصب في بيت كعب بن زهير، يقول سيبويه:(وسألته عن قول زهير:
وَمَنْ لا يُقَدّمْ رِجْْلَهُ مُطْمئِنَّةً فَيُثْبِتَها في مُسْتَوَى الأرضِ يَزْلِقِ
فقال: النصب في هذا جيد، لأنه أراد هاهنا من المعنى ما أراد في قوله: لا تأتينا إلا لم تحدثنا، فكأنه قال: من لا يقدم إلا لم يثبت زلق) [3] .
يفهم من النص السابق أن المعنى هو: أنَّ الذي كلَّما قدم رجله لا يثبتها يزلق وعلى هذا لا يكون لكلمة (مطمئنة) دور كبير في المعنى، ونحن نفهم البيت فهما لعله على شيءٍ من الاختلاف قليل، وهو يعتمد على اعتبار كلمة (مطمئنة) ذات دور فعال، أما العبارة (فيثبتها في مستوى الأرض) فما هي إلا تفسير للكلمة (مطمئنة) ، وعلى هذا يكون معنى البيت من لا يقدم رجله مطمئنة بحيث يثبتُها في مستوى الأرض يزلق ولوحذفت هذه العبارة لظل الكلام محتفظا بالمعنى الأساسي.
ونصب الفعل بالواو والفاء عند سيبويه على إضمار (أنْ) [4] وممن تابعه الأخفش [5] ، والمبرد [6] . أما عند الفراء فعلى (الصرف) يقول الفراء: (وإنْ شئت جعلت هذه الأحرف المعطوفة بالواو نصبا على ما يقول النحويون من الصرف، فإنْ قلت: وما الصرف؟ قلت: أنْ تأتي بالواو على كلام في أوله حادثة لا تستقيم إعادتها على ما عطف عليها، فإذا كان كذلك فهو الصرف) [7] .
وقد نسب ابن السراج مصطلح (الصرف) إلى الكوفيين وتابعهم فيه [8] .
ونبه سيبويه إلى أن أداة العطف (ثم) لا يأتي الفعل بعدها منصوبا على نحوما جاءَ بعد (الواو) و (الفاء) ، فهي لا تضمر بعدها (أن) ، وليس فيها من معاني (الفاء) أو (الواو) [9] .
ولابد أن يكون الفعل بعدها مجزوما، لأنه لا ينتصب بعدها على إضمار (أن) ، ولأنه لا يرتفع، على الابتداء، لأن الكلام لمّا ينقطع بعد [10] ، ولا على (الحال) على نحوارتفاعه مع (الواو) عند المبرد [11] .
واستكمالا للموضوع يتحدث سيبويه عن الفعل المضارع بعد (فاء) الربط الجزائي، فيقول إنَّ هذا الفعل لا يكون إلا مرفوعا لأنه لم يعطف على فعل الشرط فليس شريكا له وإنما هو ضمن جملة داخلية مستقلة [12] .
ولابد من القول هنا إن ثمة اختلافا في النبر بين ما يحدث حالة العطف وبين ما يحدث حالة الربط الجزائي. ويلاحظ ذلك في صورة اللغة المنطوقة، أما في الصورة المكتوبة فليس ذلك مبينا.
نخلص من ذلك كله إلى أن العبارة الشرطية يتم توسيعها باستخدام أدوات العطف ويكون للفعل المضارع المعطوف بعدها ثلاث حالات: حالة الجزم، حالة النصب، حالة الرفع. والجزم مع أدوات العطف كلها، حيث يعطف الفعل عطف نسق، والنصب مع (الفاء) و (الواو) و (أو) [13] ، على إضمار (أن) عند سيبويه، وعلى الصرف عند الفراء والكوفيين. والرفع مع الواو على (الحالية) ، وذلك بإضمار مبتدأ بين (الواو) والفعل عند المبرد.
يأتي الفعل بعد أدوات العطف على ثلاث أحوال:
الأولى: حالة الجزم وذلك إذا عطفت تلك الأدوات الفعل على فعل جواب الشرط [14] . وتتحقق هذه الحالة باستخدام أي أداة من أدوات العطف.
والثانية: حالة النصب، وتتحقق باستخدام (الفاء) أو (الواو) [15] . ويكون النصب بالفاء والواو على تقديره (أن) عند سيبويه [16] ، والأخفش [17] ، والمبرد [18] . وعلى الصرف عند الفراء [19] وابن السراج [20] والرضى [21] . ويذهب سيبويه إلى
(1) م. ن.، ص. ن.
(2) سيبويه، الكتاب 3: 38.
(3) سيبويه، الكتاب 3: 88 - 89.
(4) سيبويه، الكتاب 3: 28، 41.
(5) الأخفش، معاني القرآن 44.
(6) المبرد، المقتضب 2: 67.
(7) الفراء، معاني القرآن 1: 33 - 34.
(8) ابن السراج، أصول النحو 2: 197.
(9) سيبويه، الكتاب 3: 89.
(10) م. ن.، ص. ن.
(11) المبرد، المقتضب 2: 67.
(12) سيبويه، الكتاب 3: 89.
(13) سيبويه، الكتاب 3: 89.
(14) سيبويه، الكتاب 3: 89، الفراء، معاني القرآن 1: 206، الأخفش، معاني القرآن 44، المبرد، المقتضب 2: 66، الزمخشري، المفصل 255، الأنباري، البيان 2: 376، ابن يعيش، شرح المفصل 7: 55، ابن مالك، الألفية (شرح ابن عقيل طبعة النجار) 2: 318، الرضى، شرح الكافية 2: 261.
(15) سيبويه، الكتاب 3: 89، الفراء، معاني القرآن 1: 206، الأخفش، معاني القرآن 44، المبرد، المقتضب 2: 66، ابن السراج، أصول النحو 2: 197، الزمخشري، المفصل 255، ابن يعيش، شرح المفصل 7: 55، ابن مالك، الألفية (شرح ابن عقيل طبعة النجار) 2: 318، الرضى، شرح الكافية 2: 261.
(16) سيبويه، الكتاب 3: 88.
(17) الأخفش، معاني القرآن 44.
(18) المبرد، المقتضب 2: 67.
(19) الفراء، معاني القرآن 1: 33 - 34.
(20) ابن السراج، أصول النحو 2: 197.
(21) الرضى، شرح الكافية 2: 261.