وإذا كان (للنبر) دور فعال في الشعر فلابد أن له دورا فعالا في لغة الحوار ولغة الحديث العادية، ولكني أحسب أن التقعيد لنحواللغة العربية لم يأخذ في اعتباره أن اللغة في الأصل ظاهرة منطوقة وإنما انصراف الاهتمام إلى لغة النصوص والشكل الكتابي للغة.
ولاشك أننا في الكتابة سنجد صعوبة في التمييز بين النمطين الأول - إذا حدث فيه تقديم - والثاني، أما في حالة النطق فإنه يسهل إذا راعينا الاعتماد على النبر، فالنمط الأول يحدث فيه تقديم خاصة في اللغة الانفعالية حيث يسلك المتكلم سلوكا يغاير سلوكه في الأحوال العادية، ففي الانفعال قد يعمد إلى التقديم وإلى الحذف وإلى تكرار وحدة صوتية ما، وإلى ضروب من التلوين الصوتي التي تضطلع بشحنة تعبيرية خاصة، وفي حالة تقديم العبارة الجوابية على العبارة الشرطية يكون مركز التعبير في الجملة هو هذه العبارة الجوابية فيكون النبر واقعا عليها، وتأتي العبارة الشرطية مكملة للجملة، أما في الأحوال العادية فإن النبر يقع على العبارة الشرطية. أما النمط الثاني فإن النبر يقع على العبارة الملحقة بالجملة وهي العبارة الشرطية.
ولا يسعفنا النظام الكتابي العربي إذا أردنا أن نفرق بين النمط الأول المقدم والنمط الثاني، وذلك لأنه ليس ثمة رمز كتابي للنبر على أهمية ذلك.
عرض سيبويه لهذه القضية في فصل (هذا باب الحروف التي لا تَقَدَّم فيها الأَسماءُ الفعل) [1] ، ويرجع عدم تقدم هذه الأسماء إلى أنه (لا يجوز أن نفصل بين الفعل والعامل فيه بالاسم، كما لا يجوز أن تفصل بين الاسم وبين إنَّ وأخواتها بفعل) [2] من هذا، الحروف الجازمة (لم) ، و (لا الناهية) [3] . أما ادوات الشرط فيقول عنها: (واعلم أن حروف الجزاء يقبح أن تتقدم الأسماء فيها الأفعال، وذلك لأنهم شبهوها بما يجزم مما ذكرنا) [4] .
ويتابع النحاة سيبويه في القول بوجوب ولاية الفعل لها [5] . ولكنهم يختلفون في اتفسير ما يخالف هذه القاعدة وذلك حينما يكون الاسم بين الأداة والفعل.
(1) سيبويه، الكتاب 3: 110.
(2) م. ن.، ص. ن.
(3) سيبويه، الكتاب 3: 111.
(4) سيبويه، الكتاب 3: 112.
(5) منهم: الأخفش (معاني القرآن 217) ، المبرد (المقتضب 2: 74) ، ابن السراج (أصول النحو 2: 164، 2: 241) ، النحاس (إعراب القرآن 69، 1236 - 1237) ، الفارسي (الإيضاح 320) ، الزبيدي (الواضح 95) ، الرماني (معاني الحروف 74) ، الهروي (الأزهية 213) ، القيسي (مشكل إعراب القرآن 1: 66، 1: 356، 2: 219، 2: 264، 2: 316، 2: 435) ، الجرجاني (المقتصد 165) ، الزمخشري (المفصل 323) ، ابن الشجري (الأمالي 1: 33، 1: 278) ، ابن الخشاب (المرتجل 216، 221) ، الأنباري (البيان 1: 115، 2: 97، 2: 383) ، العكبري (التبيان 1: 395) ، ابن يعيش (شرح المفصل 9: 9) ، ابن مالك (التسهيل 236) ، الرضى (شرح الكافية 2: 262، 2: 390) ، أبوحيان (الارتشاف 806) ، المرادي (الجني الداني 278) .