قلتُ: المرسلُ حجَّةٌ إذا كان المُرْسِلُ ثقةً عند الجمهورِ لاسيّما عند أصحابِنا الحَنَفيّة، فأنّهم صرَّحُوا بأنّه هو القولُ المنصور (1) .
فإن قلتَ: يخالفُ الدَّرءُ حديثَ البُخَارِيِّ وغيرِه:(وَمَن اِجْتَرَأَ عَلَى مَا يُشَكُّ فِيهِ مِنَ الإِثْمِ أَوْ شَكَّ أَنْ يُواقِعَ مَا اِسْتَبَان، وَالمَعَاصِي حِمَى الله،
مَن يَرْتَعْ حَوْلَ الحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَقَعَ فِيه) (2) .
قلتُ: مستعينًا بفتحِ القديرِ إنه لا مخالفة، فإنّما معناهُ مَن جهلَ حرمةَ شيءٍ وحلَّه، فالورعُ أن يُمسكَ عنه، ومَن جهلَ وجوبَ أمرٍ وعدمِهِ فلا يوجبه.
فإن قلتَ: وجوبُ الحدودِ في موضعِها، لاسيّما وجوبُ حدِّ الزِّنا قطعيّ، والخبرُ الواحدُ في الإسقاطِ ظنّيّ، ولا عبرةَ للظَّنِّيِّ في مقابلةِ القطعيّ.
قلتُ: القدرُ المشتركُ في بابِ الدَّرءِ بالشُّبهاتِ قطعيّ، قال ابنُ الهُمامِ في (( فتحِ القدير ) ): في إجماعِ فقهاءِ الأمصارِ على أنَّ الحدودَ تدرءُ بالشُّبهاتِ كفاية؛ ولذا قال بعضُ الفقهاء: هذا الحديث ـ أي حديثُ الدَّرء ـ متَّفقٌ عليه، تلقَّتهُ الأمَّةُ بالقبول.
وفي (3) تتبَّعِ المرويِّ عن رسولِ اللهِ والصَّحابةِ ما يقطعُ في المسألة.
(1) ينظر: (( تقريب النواوي ) )، وشرحه (( تدريب الرواي ) ) (1: 103) للسيوطي، و (( الموقظة في علوم الحديث ) )للذهبي (38 - 40) ، (( ظفر الأماني ) )للكنوي (ص 351) ، و (( قواعد في علوم الأحاديث ) )للتهانوي (ص 138) .
(2) في (( صحيح البخاري ) ) (2: 723) ، و (( صحيح مسلم ) ) (4: 1217) ، و (( صحيح ابن حبان ) ) (2: 497) ، وغيره.
(3) وقع في الأصل: وقد، والمثبت من (( الفتح ) ).