فهرس الكتاب

الصفحة 18 من 37

3 -إذا كان التشريع الجديد بعد الحكم وكان يبيح الفعل ولا يعاقب عليه، فيجب أن لا ينفذ الحكم الذي صدر طبقا للتشريع القديم، كما يوجب أن يوقف تنفيذه إذا كان قد بدئ في تنفيذه.

4 -إذا كان التشريع الجديد يشدد العقوبة فلا ينطبق على الجاني؛ لأنه ليس الأصلح له، ولأن الأصل أن الجرائم يعاقب عليها طبقا للنصوص السارية وقت ارتكابها.

واستدل لهذا الاستثناء بأن العرب قبل الإسلام في جريمة القتل كانت تباين في الفضل وتعترف بهذا التباين، فإذا كان بينها ما يكون بين الجيران من قتل العمد أو الخطأ عرف لصاحب الفضل فضله، وتباينت الديات بحيث تكون دية الشريف أضعاف دية الرجل دونه، ثم جاء الإسلام وبعض العرب يطلب بعضًا بدماء وجراح، فمحا حكم الجاهلية وسوى في الحكم بين الناس، وذلك قوله تعالى: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [المائدة: 50] ، وسوَّى الإسلام بين دم الشريف والوضيع، وبين دماء الأحرار ودماء العبيد، وبين دماء الرجال والنساء، وذلك قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاء إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [البقرة: 178] ، وبعد نزول هذا الحكم انتهى التفاوض في الدماء والجراح والديات، وطبق الحكم على ما سبقه من دماء وجراح لم يحكم فيها بعد، وبهذا كان للنص أثر رجعي [1] .

ولا يخفى ما في هذا الاستدلال من بُعدٍ، لأن أعراف الجاهلية قبل الإسلام ليست شرعًا لنا حتى نقول إن الشريعة راعت الأصلح للجاني بين التشريعين، فلا يثبت هذا المبدأ إلا في التشريع الواحد [2] .

قلت: ويمكن الاستدلال لهذا الاستثناء بما رواه الحاكم رحمه الله تعالى عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( ادرؤوا الحدودَ عنِ المسلمينَ ما استطعتم فإنْ وجدتمْ لمسلمٍ مخرجًا فخلوا سبيله فإنَّ الإمامَ أن يخطئَ في العفوِ خيرٌ منْ أنْ يخطئَ بالعقوبةِ ) ) [3] .

ووجه الاستدلال بهذا الحديث أن الأخذ بما هو أصلح للجاني هو من التماس المخارج للمسلم، وما دام أن التشريع الأول والتشريع الثاني هو تحت مظلة النظام الإسلامي، فلا مانع من العدول عن الأول إلى الآخر، وقياسا على مسألة جواز التقليد، كل ذلك بشرط أن يصبَّ في مصلحة المسلمين، والله أعلم.

(1) التشريع الجنائي لعبد القادر عودة 1/ 272.

(2) محمد علي محمد ربابعة جامعة آل البيت كلية الدراسات الفقهية والقانونية، رجعية العقوبة في الفقه الإسلامي، http://forum.maktoob.com/t 212499.html.

(3) المستدرك على الصحيحين ج 4/ص 426، رقم 8163، قال الحاكم رحمه الله: (( هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت