وكل من ألفاظ الغيبة، فإذا أضيف إلى المخاطبين جاز لك أن تعيد الضمير إليه بلفظ الغيبة مراعاة للفظه، وأن تعيده بلفظ الخطاب مراعاة لمعناه، فتقول كلكم فعلوا، وحيث وقعت في حيز النفي بأن سبقتها أداته، أو فعل منفي نحو: (ما جاءني كل القوم) و (كل الدراهم لم آخذ) لم يتوجه النفي إلا لسلب شمولها، فيفهم إثبات الفعل لبعض الأفراد ما لم يدل الدليل على خلافه، نحو {وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (23) } [الحديد: 23] مفهومه إثبات المحبة لأحد الوصفين، لكن الإجماع على تحريم الاختيال والفخر مطلقًا، وحيث وقع النفي في حيزها كما في قوله عليه الصلاة والسلام في خبر ذي اليدين:"كل ذلك لم يكن"متفق عليه [1] ، توجه إلى كل فرد، كذا ذكره البيانيون [2] .
ومن معاني كل:
أنها قد تكون للتكثير والمبالغة دون الإحاطة وكمال التعميم، كقوله تعالى: {وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ} [يونس: 22] ، ويقال: فلان يقصد كل شيء أو يعلم كل شيء، وعليه قوله تعالى: {وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ} [النمل: 23] ، {وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ} [هود: 120] والمعنى: وكل نبأ نقصه عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك، فلا يقتضي اللفظ قص أنباء جميع الرسل.
وقد تحمل (كل) على معنى (من) لمشابهة بينهما، فإنها إذا أضيفت إلى ما اتصف بصفة فعل أو ظرف تضمنت معنى الشرط للمشابهة في العموم والإبهام، وكلمة (كل) للإحاطة على سبيل الانفراد وكلمة (من) توجب العموم من غير تعرض بصفة الاجتماع والانفراد [3] .
الفرع الأول: أحوال كل الداخلة في حيز النفي:
كل الداخلة في حيز النفي (سواء كان النفي حقيقيًا أوحكميًا) لها أحوال:
1 -أن لا يعمل فيها شيء من النفي والمنفي نحو: (إن كلهم يحبني أو يبغضني) في النفي الحقيقي (وهل كل مودته تدوم) في النفي الحكمي.
* وإما أن يعمل، فحينئذ عاملها:
(1) انظر: صحيح البخاري: (3/ 101) ، كتاب السهو (22) ، باب رقم (5) حديث رقم (1229) ، صحيح مسلم: (1/ 404) ، كتاب المساجد (5) باب (19) ، حديث رقم (99/ 573) .
(2) انظر: الكليات: (1/ 742) .
(3) انظر كتاب الكليات: (1/ 747) بتصرف.