ثانيًا: القلب الميِّت:
"هو القلب الواقف دائمًا وأبدًا مع شهواته ولذاته، ولو كان في ذلك سخط الله - تعالى - وغضبه؛ فهو خالٍ تمامًا من الإيمان في جميع الخير، وهو متعبد لغير الله، لا يتقرَّب إلى الله إلا بجميع مساخطه؛ فإن أحب أحب لهواه، وإن أبغض أبغض لهواه، وإن أعطى أعطى لهواه، وإن منع منع لهواه، ففيه من تحكيم الهوى والجهل والغفلة ما لا يعمله إلا الله - تعالى - فهو بالفكر في تحصيل أغراضه الدنيوية مغمور، وبسكرة الهوى وحب العاجلة مخمور، ينادي إلى الله وإلى الدار الآخرة من مكان بعيد، فلا يستجيب للناصح، ويتبع كل شيطان مريد، الدنيا تسخطه وترضيه، والهوى يُصِمُّه عما سوى الباطل ويُعْميه؛ فهو في الدنيا كما قيل في ليلى:"
عَدُوٌّ لِمَنْ عَادَتْ وَسِلْمٌ لِأَهْلِهَا = وَمَنْ قَرَّبَتْ لَيْلَى أَحَبّ وَأَقْرَبَا
فمخالطة صاحب هذا القلم سقم، ومعاشرته سم، ومجالسته هلاك" [1] ."
ثالثًا: القلب المريض: هو القلب المتأرجح بين العلو والسفول؛ فتارة تجعل فيه حياة، وأخرى تحصل فيه العلة والمرض؛ لأنه تمده مادتان: مادة إيمان، ومادة نفاق، أو رجس، أو رغبة بلذة محرمة أو فاحشة أو فسق، وكل هذا وما في معناه وكل من أمراض القلوب الكثيرة، والتي تؤدي إلى ظلمة الشهوات والأهواء، وللشيطان في هذا القلب إقبال وإدبار، وللإيمان جنوده التي تمده بحياة القلب؛ كالإخلاص، والتوكل، والإخبات، والخشوع، والخضوع، وأيضًا للنفاق من جنوده؛ فالحرب بين الإيمان والنفاق في هذا القلب دُوَل وسِجال؛ فهذا القلب بين داعيين: داعٍ يدعوه إلى الله ورسوله والدار الآخرة، وداعٍ يدعوه إلى العاجلة، وهو إنما يجيب أقربها منه بابًا، وأدناها إليه جوارًا، فهو إما إلى السلامة أدنى، وإما إلى العطب أدنى؛ وذلك لعدم تجرده للحق المحض الذي بعث الله به رسوله - صلى الله عليه وسلم - بل فيه مادة منه ومادة من خلافه، فتارة يكون للكفر أقربَ منه للإيمان، وتارة يكون للإيمان أقرب منه للكفر، والحكم للغالب، وإليه يرجع.
ومما سبق بيانه نستطيع أن نقول: إن القلوب على هذه الأقسام تدور بين اللذة والانشراح، والألم والضيق؛ فمَن صرف همته إلى تحقيق الطاعات واللذات الحسية، والتي تعلو بها إلى لذات أكمل منها وأتم ليصل بها إلى مرضات ربه - تعالى - كان من أصحاب القلوب الصحيحة السليمة، والتي لا نجاة في الآخرة إلا لأصحابها، وهؤلاء هم السعداء على الحقيقة الذين جعلوا لقاء الله - تعالى - مقصدهم، والدار الآخرة مستقرهم.
وأما مَن صرف همته إلى اتباع اللذات البدنية يأكل كما تأكل الأنعام؛ فقد انحط إلى حضيض البهائم، فتنقلب فطرته، وتنتكس وتصير نفسه إما حيوانية، أو خِنْزِيرية، أو سبُعية، أو غضبية، أو يجمع ذلك كله؛ فتكون
(1) إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان للإمام ابن قيِّم الجوزية.