الصفحة 12 من 37

فالسافلة: دنيا تتزيَّن له، ونفس تحدِّثه، وعدو يوسوس له؛ فهذه مواطن الأرواح السافلة التي لا تزال تجول فيها، والثلاثة العالية: علم يتبيَّن له، وعقل يرشده، وإلهٌ يعبده، والقلوب جوَّالة في هذه المواطن" [1] ."

ففرقٌ بين همة الدنيا وبين الآخرة، كما ذكر ربي - تعالى ذكره - في آخر الربع الأول من سورة الإسراء: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا * وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا * كُلًا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا * انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا * لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا} [الإسراء: 18 - 22] .

وعن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (( مَن كانت الآخرة همَّه؛ جعل الله غناه في قلبه، وجمع له شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة، ومَن كانت الدنيا همَّه؛ جعل الله فقره بين عينيه، وفرَّق عليه شمله، ولم يأتِه من الدنيا إلا ما قدر له ) )؛ قال الشيخ الألباني: صحيح [2] .

ففاز ونجا مَن كان قلبه قلبًا سليمًا مريدًا لمحبة الله لا غير؛ ولذلك وصف القلب بالحياة والموت، والصحة والمرض، فكان لا بد من انقسامه على حسب أحواله إلى صحيح أو سليم، ومريض أو ميت.

أولًا: القلب الصحيح:

هو القلب السليم الذي لا ينجو يوم القيامة سواه؛ كما قال - تعالى: {يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} [الشعراء: 88، 89] ؛ وذلك لأنه قلب سَلِم من الآفات والعيوب والمناقص والمعارضات؛ فسلم من كل شهوة تخالف أمر الله ونهيه، ومن كل شبهة تعارض خبره، وبالتالي سلمتْ عبوديته لله - تعالى - فلا يقبل حُكمًا إلا لله ولرسوله - صلى الله عليه وسلم - فهو دائمًا يدور حول مراد الله - تعالى - محبة، وخشية، وإنابة، وتوكلًا، وتسليمًا، وخضوعًا؛ فحبه لله وفي الله، وبغضه كذلك، وعطاؤه ومنعه، وجميع أقواله وأفعاله وإراداته، لا يتقدم بين يدي الله - تعالى - بعقيدة أو شريعة أو قول أو عمل، قد استجاب لله - تعالى - ولرسوله - صلى الله عليه وسلم - فحياة هذا القلب إنما هي لله وبالله؛ قال - تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} [الأنفال: 24] ، وقال - تعالى - أيضًا: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [الحجرات: 1] ، ولا يتم هذا إلا لقلب سليم صحيح جدًّا مُخبِت وليِّن وواعٍ.

(1) الفوائد للإمام ابن قيم الجوزية.

(2) سنن الترمذي، المعجم الكبير للطبراني، معاني الأخبار للكلاباذي، الجامع الصغير وزيادته، السلسلة الصحيحة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت