فبالفتنة والامتحانات والاختبارات ظهرت القلوب، وتميزتْ من بعضها؛ فلم يَفُزْ إلا أصحاب القلوب السليمة الخاشعة الذليلة، التي تتمنى من الله أن يهديَها إلى صراط مستقيم، فمَن خضع قلبه وذلَّ لله؛ هداه الله في الدنيا والآخرة؛ ففي الدنيا يرشدهم إلى الحق واتباعه، ويوفقهم لمخالفة الباطل واجتنابه، وفي الآخرة يهديهم إلى الصراط المستقيم الموصل إلى درجات الجنات، ويزحزحهم عن العذاب الأليم والدركات [1] .
اعلم - هداني الله وإياك - أنَّ من كمال حكمته أنْ مكَّن الشياطين من الإلقاء المذكور؛ ليحصل ما ذكره بقوله: [ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة لطائفتين من الناس لا يبالي الله بهم، وهم الذين في قلوبهم مرض] ؛ أي: ضعف وعدم إيمان تام وتصديق جازم، فيؤثر في قلوبهم أدنى شبهة تطرأ عليها، فإذا سمعوا ما ألقاه الشيطان دخلهم الريب والشك، فصار فتنة لهم، [والقاسية قلوبهم] ؛ أي: الغليظة التي لا يؤثر فيها زجر ولا تذكير، ولا تفهم عن الله وعن رسوله لقسوتها، فإذا سمعوا ما ألقاه الشيطان جعلوه حجة لهم على باطلهم، وجادلوا به وشاقوا الله ورسوله؛ ولهذا قال: {وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ} ؛ أي: مشاقة لله، ومعاندة للحق، ومخالفة له، بعيد عن الصواب؛ فما يُلقِيه الشيطان يكون فتنة لهؤلاء الطائفتين، فيظهر ما في قلوبهم من الخُبْثِ الكامن فيها.
وأما الطائفة الثالثة، فإنه يكون رحمة في حقها، وهم المذكورون بقوله: {وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ} ، وأن الله منحهم من العلم ما به يعرفون الحق من الباطل والرشد من الغي، فيفرِّقون بين الأمرين: الحق المستقر الذي يحكمه الله، والباطل العارض الذي ينسخه الله بما على كلٍّ منهما من الشواهد، وليعلموا أن الله حكيم يقيض بعض أنواع الابتلاء؛ وليُظهر بذلك كمائن النفوس الخيِّرة والشريرة، فيؤمنوا به بسبب ذلك، ويزداد إيمانهم عند دفع المعارض والشبه.
{فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ} ؛ أي: تخشعَ وتخضع وتسلِّم لحكمته، وهذا من هدايته إياهم، {وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} ؛ عِلْم الحق، وعَمَل بمقتضاه، فيثبِّت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، وهذا النوع من تثبيت الله لعبده" [2] ؛ انتهى."
فبالفتنة والابتلاء ظهرتْ مكامن القلوب التي لا يعلمها إلا هو - جل جلاله - ولا يعلم ما في القلوب إلا بارئها وفاطرها - جل جلاله - يعلم مَن يسعى لهواه وللدنيا، ويعلم مَن يعمل له راجيًا المثوبة والجزاء منه؛ لأجل ذلك قال الإمام ابن القيم:"للقلب ستة مواطن يَجُول فيها لا سابع لها؛ ثلاثة سافلة، وثلاثة عالية،"
(1) مختصر ابن كثير.
(2) تفسير كلام المنان؛ للعلامة السَّعدي.