لقوله - صلى الله عليه وسلم: (( إن في الجسد مضغة إذا صَلَحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب ) ) [1] .
فالقلب قد يكون جوهرة توحيدِ الله - تعالى - وقد يكون مزبلة للشيطان - لعنه الله تعالى -فيكون مملكة توحيد لله يسيِّره على الأمور السالفة الذكر، وكأنِّي بهذا القلب منقوش عليه"لا حكم إلا لله"؛ لأن القلب حبَّب الله إليه الإيمان، فلا يفعل إلا أفعال الأعيان.
أما إن حاد ونأى عن هذه الأمور، فهو مزبلة الشيطان؛ لأنه لا يتحاكم إلا لهواه وفقط، وفَقَدَ وظيفته؛ فقد يتعرض إلى الشك والارتياب، لخلل فيه ناتج عن حالة مرضية خطيرة، لكنها غير فطرية؛ كضعف البصيرة، أو الزيغ عن الحق، أو هوى متبع، أو شهوة ظاهرة أو باطنة، أو حب العاجلة، أو جبن، أو بخل، أو شك، أو جحود، أو نكران؛ عندئذٍ تتعرَّض بصيرته الإدراكية إلى حجب رقيقة أو كثيفة، ويزداد الأمر سوءًا حتى تكون بصيرته في حجب كالأكنة، وتتكاثر عليه الذنوب والمعاصي لتغلف القلب كله بالصدأ أو الران: {كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [المطففين: 14] .
وقد يشتدُّ الأمر حتى يصير على القلب الأقفالُ والطبعُ، أو العمى المطبق؛ فيفقد القلب روح الخير، فيتحول إلى قلب قاسٍ متحجِّر، أو ميت متيبس؛ فتصير حياته شبه المستحيل، ويكون بمثابة الأعمى الأصم الميت المقبور، فينادى صاحب هذا القلب ولا يجيب؛ كقوله: {إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ} [النمل: 80] [2] .
اعلم - أخي في الله - أن القلوب ذكرها الله - تعالى - ثلاث مرات في آية واحدة، في الربع الثالث من سورة الحج؛ قال الله: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ * وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [الحج: 52 - 54] .
• قوله - تعالى: {لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ} ؛ أي: شرك ونفاق.
• قوله - تعالى: {وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ} ؛ فلا تلين لأمر الله.
• قوله في حق المؤمنين: {فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ} ؛ تخشع وتسكن، وقيل: تُخلِص [3] .
(1) متفق عليه، وذكره الألباني في صحيح الجامع.
(2) "منة الغفور في لذة انشراح الصدور"؛ لشيخي وأستاذي أبي عبيدة فتحي بن أحمد غريب - غفر الله له.
(3) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي.