4 -هل يؤثر الذنب على الدعاء؟
أمراض القلوب وكيفية علاجها [1] :
ومن أعظم أدوائه: الشرك، والذنوب، والغفلة، والاستهانة بمحابِّه ومراضيه، وترك التفويض إليه، وقلة الاعتماد عليه، والركون إلى ما سواه، و السخط بمقدوره، والشك في وعده ووعيده، وإذا تأملت أمراض القلب وجدت هذه الأمور وأمثالها هي أسبابها، لا سبب لها سواها، فدواؤه الذي لا دواء له سواه ما تضمنتْه هذه العلاجات النبوية من الأمور المضادة لهذه الأدواء، فإن المرض يزال بالضد، والصحة تُحفظ بالمثل، وصحته تحفظ بهذه الأمور النبوية، وأمراضه بأضدادها؛ فالتوحيد يفتح للعبد باب الخير والسرور، واللذة والفرح والابتهاج، والتوبة استفراغ للأخلاط والمواد الفاسدة، التي هي سبب أسقامه، وحماية له من التخليط؛ فهي تغلق عنه باب الشرور، فيفتح له باب السعادة والخير بالتوحيد، ويغلق باب الشرور بالتوبة والاستغفار.
قال بعض المتقدمين من أئمة الطب:"مَن أراد عافية الجسم فليقلل من الطعام والشراب، ومَن أراد عافية القلب، فليترك الآثام".
وقال ثابت بن قُرَّة:"راحة الجسم في قلة الطعام، وراحة الروح في قلة الآثام، وراحة اللسان في قلة الكلام، والذنوب للقلب بمنزلة السموم، إن لم تُهلِكه أضعفتْه ولا بد، وإذا ضعفتْ قوته، لم يقدر على مقاومة الأمراض، قال طبيب القلوب عبدالله بن المبارك:"
رَأَيْتُ الذُّنُوبَ تُمِيتُ الْقُلُوبَ = وَقَدْ يُورِثُ الذُّلَّ إِدْمَانُهَا
وَتَرْكُ الذُّنوبِ حَيَاةُ الْقُلُوبِ = وَخَيْرٌ لِنَفْسِكَ عِصْيَانُهَا
فالهوى أكبر أدوائها، ومخالفته أعظم أدويتها، والنفس في الأصل خلقتْ جاهلة ظالمة؛ فهي بجهلها تظن شفاءها في اتباع هواها، وإنما فيه تلفها وعطبها، ولظلمها لا تقبل الطبيب الناصح، بل تضع الداء موضع الدواء فتتعمَّده، وتضع الدواء موضع الداء فتتجنَّبه، فيتولَّد من بين إيثارها للداء واجتنابها للدواء أنواعٌ من الأسقام والعلل، التي تُعْيي الأطباء ويتعذر معها الشفاء، والمصيبة العظمى أنها تركب ذلك على القدر، فتبرئ نفسها وتلوم ربها بلسان الحال دائمًا، ويقوى اللوم حتى يصرح به اللسان، وإذا وصل العليل إلى هذه الحال؛ فلا يطمع في بُرْئه إلا أن تتداركه رحمةٌ من ربه، فيحييه حياة جديدة، ويرزقه طريقة حميدة؛ فلهذا كان حديث ابن عباس في دعاء الكرب مشتملًا على توحيد الإلهية والربوبية، ووصف الرب - سبحانه - بالعظمة والحِلم، وهاتان الصفتان مستلزمتان لكمال القدرة والرحمة والإحسان والتجاوز، ووصفه بكمال ربوبيته للعالم العلوي والسفلي
(1) زاد المعاد في هدى خير العباد.