الصفحة 16 من 37

والعرش الذي هو سقف المخلوقات وأعظمُها، والربوبية التامة تستلزم توحيده، وأنه الذي لا تنبغي العبادة والحب والخوف والرجاء والإجلال والطاعة إلا له، وعظمته المطلقة تستلزم إثبات كل كمال له، وسلب كل نقص وتمثيل عنه، وحِلْمه يستلزم كمال رحمته وإحسانه إلى خَلقه، فعلم القلب ومعرفته بذلك توجب محبتَه وإجلاله وتوحيده، فيحصل له من الابتهاج واللذة والسرور ما يدفع عنه أَلَم الكرب والهم والغم، وأنت تجد المريض إذا ورد عليه ما يسُرُّه ويُفرحه ويقوِّي نفسه كيف تقوى الطبيعة على دفع المرض الحسِّي؛ فحصولُ هذا الشفاء للقلب أَولى وأحرى.

ثم إذا قابلت بين ضيق الكرب وسَعة هذه الأوصاف التي تضمنها دعاء الكرب، وجدته في غاية المناسبة لتفريج هذا الضيق وخروج القلب منه إلى سَعَة البهجة والسرور، وهذه الأمور إنما يصدِّق بها من أشرقتْ فيه أنوارها، وباشر قلبُه حقائقها، وفي تأثير قوله: (( يا حي يا قيوم، برحمتك أستغيث ) )في دفع هذا الداء مناسبةٌ بديعة، فإن صفة الحياة متضمنة لجميع صفات الكمال، مستلزمة لها، وصفة القيومية متضمنة لجميع صفات الأفعال؛ ولهذا كان اسم الله الأعظم الذي إذا دُعِي به أجاب، وإذا سُئل به أعطى؛ هو اسم"الحي القيوم"، (والحياة التامة تضاد جميع الأسقام والأمراض والآلام؛ ولهذا لما كملت حياة أهل الجنة لم يلحقهم همٌّ ولا غم ولا حزن ولا شيء من الآفات، ونقصان الحياة يضرُّ بالأفعال، وينافي القيومية؛ فكمال القيومية لكمال الحياة، فالحي المطلق التام الحياة لا تفوته صفة الكمال ألبتة، والقيوم لا يتعذَّر عليه فعل ممكن ألبتة؛ فالتوسل بصفة الحياة والقيومية له تأثير في إزالة ما يضاد الحياة ويضر بالأفعال، ونظير هذا توسُّلُ النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى ربه بربوبيته لجبريل وميكائيل وإسرافيل أن يهديه لِما اختلف فيه من الحق بإذنه، فإن حياة القلب بالهداية؛ وقد وكَّل الله - سبحانه - هؤلاء الأملاكَ الثلاثة بالحياة؛ فجبريل موكَّل بالوحي الذي هو حياة القلوب، وميكائيل بالقَطْر الذي هو حياة الأبدان والحيوان، وإسرافيل بالنفخ في الصور الذي هو سبب حياة العالم وعَوْد الأرواح إلى أجسادها؛ فالتوسل إليه - سبحانه - بربوبية هذه الأرواح العظيمة الموكلة بالحياة له تأثير في حصول المطلوب، والمقصود: أن لاسم الحي القيوم تأثيرًا خاصًّا في إجابة الدعوات وكشف الكربات.

وفي السنن وصحيح أبي حاتم مرفوعًا: (( اسم الله الأعظم في هاتين الآيتين: {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ} [البقرة: 163] ، وقوله: {الم * اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} [آل عمران: 1، 2] ) )؛ قال الترمذي: حديث صحيح؛ أخرجه الترمذي في الدعوات، وابن ماجه، وأبو داود، وأحمد، والدارمي، وله شاهد يتقوى به من حديث أبي أمامة مرفوعًا بلفظ: (( اسمُ الله الأعظمُ الذي إذا دعي به أجاب في ثلاث سور: البقرة، وآل عمران، وطه ) )؛ أخرجه ابن ماجه، والطحاوي في مشكل الآثار والحاكم، وسنده حسن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت