المطلب الثاني
مدى الحاجة إلى التأمين الصحي
أولًا: بروز الحاجة إلى التأمين الصحي:
الصحة تاج على رؤوس الأصحاء لا يراه إلا المرضى، إنها من نِعم الله تعالى على الإنسان، ينبغي أن يشكُرَ واهبها، وأن يحافِظَ عليها، والمحافظة على الصحة لا تتأتَّى إلا بالرعاية الطبية في شتَّى صورِها: الوقائية، والعلاجية، والمتابعة الدائمة.
ومع تغيُّر نمط الحياة المعاصرة، التي أصبحتْ تعتمد على وسائل الراحة، زاد الخمول، وقلَّت الحركة، وضعُف البدَن.
ومع سلبيات المدنية الحديثة من حيث التلوُّث البيئي، والازدحام السكاني، وتأثيرهما على نوع الغذاء والماء والهواء، زادت ضغوط الحياة، وانتشرت الأمراض والحوادث التي لم تكن تُعرف فيما مضى، ونتج عن ذلك ظهور احتياجات صحية جديدة تفُوق تكلفتُها قدرةَ الشخص المالية؛ كأمراض السرطان والسكر والضغط والقلب والكلى، وغير ذلك من أمراض الجهاز التنفسي، والجهاز التناسلي، والجهاز الهضمي، وصارت أكثر شعوب العالم بحاجة ماسَّة إلى العلاج النفسي الذي أصبح مِن مستلزمات التكيُّف مع المجتمع الحديث.
إزاء هذا التطوُّر السريع المذهِل، لم يعُدْ في مقدور الحكومات مواجهة أعباء الوقاية والعلاج والمتابعة، فزاد الضغط على المرافق الصحية العامة التي تقدِّم خدماتها بالمجان، وترتَّب على ذلك قصورٌ يصِل في بعض البلدان إلى حدِّ التدهور في الخدمات الصحية، وإذا كان بعض القادرين يستطيع الوصول بماله إلى دور العلاج الفندقية، في الداخل والخارج، فإن الجم الغفير من الناس لا يمكنه أن يتحمَّل تكاليف المحافظة على صحته، ولا يقدر على الوصول إلى مراكز العلاج المتطوِّرة، مما أدى إلى هلاك النفس، وتشتُّت الذهن والعقل، وضعف النسل، وضياع العيال.
من أجل ذلك تصدَّت الدراسات العلمية للبحث عن حلٍّ لهذه المشكلة المزمنة، وأوضحت أن تطبيق نظام التأمين الصحي سوف يؤدي إلى: توفير أكبر قدر من الخدمات الصحية لأفراد المجتمع، وإيجاد حافز قويٍّ لتقديم خدمات صحية متميِّزة تواكب التطور التقني العالمي، وتُذْكي رُوح التنافس بين مقدِّمي الخدمات الطبية، مما يقلِّل مِن تكلفة العلاج على مستوى الفرد والأسرة، ويخفِّف العبء عن المستشفيات الحكومية فتقوم بتحسين مستوى خدماتها [1] .
(1) وزارة الصحة السعودية، دليل نظام الضمان الصحي، الإصدار الأول، ص 25 - 27، اللقاء العلمي عن التأمين الصحي التعاوني، ورقة العمل المقدَّمة من الدكتور عبد اللطيف الدريس.