من هذا العرض الموجز يتَّضح أن الحاجة ماسَّة إلى التأمين الصحي، وأن هذه الحاجة تتضمن ثلاثة من مقاصد الشريعة الضرورية الخمسة: النفس والعقل والنسل.
والسؤال الذي يَطرح نفسَه في هذا المجال هو: هل يمكن هنا تطبيق قاعدة: (الحاجة تنزَّل منزلة الضرورة) ؟ [1] بمعنى: (أنها تعطي الحكم الذي يثبت للضرورة من حيث إباحة المحظورات) [2] .
والإجابة عن هذا السؤال وردت في كتاب: (قاعدة: المشقة تجلب التيسير) ؛ حيث استعرض المؤلف أقوالَ العلماء في هذه المسألة، وتناوَلها بالتحليل والنقد، فمِن ذلك قوله:(ورد عن الشارع ما يفيد الترخيص للحاجة ... كما أن العلماء أفتَوْا بجواز طائفة من الأمور بناءً على الحاجة العامة، ومن ذلك تجويز بيع الوفاء حينما كثُر الدَّين على أهل بخارى ومصر، وبيع التلجئة، وضمان الدرك، وإباحة النظر للمعاملة، وكذلك الفتوى بجواز الاستئجار لتعليم القرآن والفقه والإمامة والأذان، مع اختلاف العلماء في تبرير ذلك، هل هو للحاجة أو للضرورة؟
كما ورد عن الشارع مراعاة الحاجات الخاصة أيضًا، ومن ذلك تجويزه لُبس الحرير لمَن به حاجة إليه بسبب الجرَب أو الحكَّة أو القمل، من دون اشتراط وجدان ما يُغني عنه مِن دواء ولبس، ومن ذلك جواز تضبيب الإناء بالفضة للحاجة من غير اعتبار العجز عن غير الفضة، على ألا يكون ذلك للتزيين، بل لحاجة إصلاح موضع الكسر والشدِّ والتوثيق، ومنها الترخيص بالأكل من طعام الكفار في دار الحرب للغانمين، وغير ذلك) [3] .
ونحن نرى - بناءً على ما تَقدَّم - أن الحاجة إلى التأمين الصحي - في عصرنا الراهن - أشدُّ من الحاجات التي اعتبرها العلماء المتقدِّمون في أعصارهم المختلفة؛ لِما قدَّمناه من أنها تتضمن ثلاثة من مقاصد الشريعة الضرورية الخمسة: النفس والعقل والنسل؛ لذا لا ينبغي أن يكون اعتباره من الحاجات - عامة أو خاصة - محلَّ شكٍّ أو ارتياب؛ (فقد تشتد الحاجة إلى الشيء حتى تصل إلى
(1) الجويني، الغياثي، ص 479، الزركشي، المنثور (2/ 24) ، السيوطي، الأشباه والنظائر، ص 97، ابن نجيم، الأشباه والنظائر، ص 91.
(2) يعقوب الباحسين، قاعدة المشقة تجلب التيسير، ص 499.
(3) قاعدة المشقة تجلب التيسير، ص 502 - 503، والمراجع التي أشار إليها.