الصفحة 20 من 70

فهو يعدُّ إحصاءات دقيقة، تشمل عمرَ المستفيد، وجنسَه، ومهنته، وسلوكه، وحالتَه الصحية، وزمان العلاج ومكانه، إلى غير ذلك من البيانات، مما يجعل تقديرَ أجر العلاج وثمن الدواء أقرب ما يكون لواقع الحال، فتنتفي بذلك جَهالةُ محل العقد أو تقلُّ.

فإذا أضفنا إلى ذلك ما سبق أن ذكرناه أكثر من مرة، وهو عدم مشروعية التأمين التِّجاري، والاقتصار على التأمين التعاوُني الذي يختلط فيه التبرع والمعاوضة [1] ، لتبين مدى قَبول ما يتبقى في عقد التأمين الصحي التعاوني من احتمال لا يعترض عليه بعض الفقهاء [2] .

ثانيًا: درجة الجهالة المؤثرة في العقد:

أمكن لنا أن نَستخلِصَ من عبارات الفقهاء ومن التطبيقات التي أوردوها ما يجعلنا نطمئن إلى أن الاحتمال الواقع في عقد التأمين الصحي التعاوني يدخل ضمن مجال الجهالة المغتفرة.

من ذلك ما ورد في المحيط البرهاني:"... والأصل في ذلك: أن الجهالة لا تُفسِدُ العقدَ لعينها، بل لغيرها، وهي المنازعة المانعة من التسليم والتسلُّم، ألا ترى أنه لو باع قفيزًا من صبرة يجوز والمبيع مجهولٌ؟ إلا أن هذه الجهالة لا تفضي إلى المنازعة المانعة من التسليم والتسلُّمِ" [3] .

وفي شرح مختصر الطحاوي: ( ... لأن الجهالة لا تُبطل العقود لعينها، وإنما تُبطل العقود لمعنًى فيها، وهو وقوع المنازعة) [4] .

وقد سبق أن أوردنا بعض التطبيقات التي تُغتَفرُ فيها الجهالة للحاجة [5] ، ونضيف إليها:

ما ورد في (مواهب الجليل) :"لا بأس أن تكتري إبلًا من رجل على أن عليك رحلتَها، أو تكتري دابة بعلفِها، أو أجيرًا بطعام، أو إبلًا على أن عليك علفَها أو طعامَ ربِّها، أو على أن عليه هو طعامَك ذاهبًا وراجعًا، فذلك كله جائز وإن لم توصف النفقة؛ لأنها معروف" [6] .

(1) التأمين التعاوني من عقود التبرع التي يقصد بها أصالةً التعاونُ على تفتيت الأخطار، والاشتراك في تحمل المسؤولية عند نزول الكوارث؛ وذلك عن طريق إسهام أشخاص بمبالغ نقدية تخصص لتعويض من يصيبه الضرر؛ (وزارة الصحة السعودية، الإصدار الأول من دليل الضمان الصحي التعاوني، ص 16) .

(2) القَرافي، الفروق (1/ 194، 195) ، (في الفرق الرابع والعشرين) ، وانظر: أحمد شرف الدين، عقود التأمين وعقود ضمان الاستثمار، ص 244 - 247، سعدي أبو حبيب، التأمين بين الحظر والإباحة، دار الفكر، دمشق 1403 هـ/1983 م، ص 53، السيد عبد المطلب، الأسلوب الإسلامي لمزاولة التأمين، ص 216.

(3) ابن مازه البخاري، المحيط، الكفالة والضمان والصلح (3/ 557) .

(4) الأسبيجابي، شرح مختصر الطحاوي، مخطوط: لوحة 137.

(5) فيما سبق: مشروعية الحاجة إلى التأمين الصحي.

(6) الحطاب، مواهب الجليل (7/ 568) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت