المطلب الرابع
مدى الغرر في عقد التأمين الصحي
من المسلَّم به فقهًا وقضاءً وقانونًا أن عقد التأمين بجميع أشكاله وأنواعه - ومنها التأمين الطبي - يندرج ضمن طائفة (العقود الاحتمالية) [1] .
والعقد الاحتمالي: اتفاق لا يَعرِفُ كلُّ واحد من طرفيه وقتَ إبرامه مقدارَ ما سيأخذ وما سيُعطي؛ لتعلُّقِ ذلك بأمر مستقبل قد يحدث وقد لا يحدث.
وفي عقد التأمين الصحي: لا يعرف المؤمَّن له - عند إبرام العقد - مقدارَ الأقساط التي سيدفعها حتى يقع الخطر المؤمَّن منه، ولا المبلغ الذي سيحصل عليه عند وقوع هذا الخطر، وكذلك المؤمِّن: لا يعرف عدد الأقساط التي سيحصل عليها، ولا المبلغ الذي سيدفعه للمؤمَّن له إذا مرض أثناء سريان فترة التأمين، ولا يعرف - أيضًا - مقدار ما سيدفعه للمستشفى مقابل علاج من يمرض من المؤمَّن عليهم، أو ثمن الأدوية التي ستصرف لهم؛ لأن كلَّ ذلك يتعلق بأمر احتمالي، هو حدوث المرض أو عدم حدوثه، وزمن حدوث المرض، ومقدار الضرر الذي ينجم عن المرض، وتكاليف علاجه، ونوع الأدوية التي ستصرف له، وثمنها ... إلخ.
فالاحتمال ركن جوهري في عقد التأمين، بل إنه لا يتصور له وجود بدونه، وقد يخفِّف من هذا الاحتمال أمران: يتعلق أولهما بحقيقة التأمين، ويتعلق الآخر بدرجة الجَهالة المؤثرة في العقد، ومدى الحاجة إليه.
أولًا: حقيقة التأمين:
التأمين - في صورته الحديثة المتطوِّرة - أصبح علمًا رياضيًّا يقوم على الأرقام والإحصائيات الدقيقة، وصار صناعة تتطلب أجهزة فنية متخصصة، تعتمد على مبدأ (الأعداد الكثيرة) الذي تقوم عليه فكرة التأمين في تحقيق التوازن المالي [2] .
فالمؤمِّن أو مركز العلاج لا يُقدِمُ أيٌّ منهما على مثل هذا الاتفاق قبل أن يجري دراسة جدوى تضمن له هامشًا مناسبًا من الربح.
(1) السنهوري، الوسيط (2/ 1140) ، أحمد شرف الدين، أحكام التأمين، ص 113 - 114، سامي عفيفي، التأمين الدولي، القاهرة 1406 هـ/1986 م، ص 71.
(2) محمد شوقي الفنجري: الإسلام والتأمين، ص 96، 105.