فهرس الكتاب

الصفحة 25 من 42

المرصود، ويختزله في نموذج فكري واضح ومتسق ومنسجم. ومن ثم، فهدف الفهم هو البحث عن معنى العناصر المكونة للواقع المجتمعي، واستكشاف دلالاتها الرمزية بتأويلها وإدراكها إدراكا مباشرا. ويعني هذا أن الفهم يدرك الظواهر المجتمعية إدراكا سليما، ويحس بها إحساسا مباشرا، ويدركها دون معالجات تجريبية أو تفسيرية أو إحصائية، ودون أي استدلال أو استنتاج مباشر. وهي تظهر للعقل ظهورا بديهيا، كما لو كانت يقينا لايضيف إليه الاستدلال شيئا [1] .

أما في ما يخص الركيزة الثانية، فيمكن القول بأن الفعل الاجتماعي يتضمن نسقا رمزيا، يحمل في طياته دلالات ثاوية، ندركها عن طريق الفهم والتأويل، انطلاقا من تجاربنا وحضورنا الذاتي في هذا العالم. ومن ثم، يكون الهدف الأساس هو الوصول إلى وحدة المعنى أو الفكرة التي تتحكم في هذا الفعل، واستجلاء مختلف النوايا والمقاصد والأهداف التي كانت تتحكم في نشأة هذا الفعل أو السلوك المجتمعي.

ويمكن القول أيضا بأن منهجية ماكس فيبر تعارض منهجية ماركس؛ لأن المنهجية الفيبيرية منهجية هيرمينوطيقية تعتمد على الفهم والتأويل، والاهتمام بالفاعل الفردي (الميتودولوجيا الفردية) .في حين، تعتبر سوسيولوجية ماركس بنائية، تركز على الفاعل الجماعي، وتعطي للعوامل المادية أهمية كبيرة، على أساس أن البنية التحتية (البنية الاقتصادية) هي التي تتحكم في البنية الفوقية والإيديولوجية (الفن، والدين، والسياسة) . أما ماكس فيبر، فيرجع ماهو مادي إلى ماهو ديني وفوقي، كما وضح ذلك جليا في كتابه (الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية) [2] ، حيث بين أن القيم البروتستانتية الكالفانية هي التي ساهمت في بروز الرأسمالية العقلانية. أما ماركس فقد ركز على العوامل المادية والاقتصادية في ظهور هذه الرأسمالية [3] . وإذا كان ماركس قد ثار على الدين، فإن ماكس فيبر قد دافع عن فلسفة الأديان، وخاصة البروتستانتية، دعامة العقلانية والبيروقراطية والرأسمالية والحداثة الغربية. ومن ثم، تدعو البروتستانتية إلى ابتغاء الكسب المثمر، وتنمية الرأسمال، وفق دوافع سيكولوجية ومبادئ أخلاقية، مثل: الحرص، والشح، والاستثمار، وعدم التبذير، وحب العمل، ولاسيما أن المذهب

(1) - د. عبد الله إبراهيم: الاتجاهات والمدارس في علم الاجتماع، ص:98 - 99.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت