البروتستاتي الذي ظهر مع مارتن لوثر يمجد العمل باعتباره غاية للحياة وفريضة من الله."إن من لايعمل لن يأكل"كما قال القديس بولس. ولذلك، يجتهد البروتستانتي في العمل كي لاتلحقه لعنة الله. وكما تمتاز الأخلاق البروتستانتية بتمجيدها للعمل، تمتاز أيضا بدعوتها إلى التقشف والاستثمار والادخار. وتلك هي الأسس الرئيسية التي قامت عليها الرأسمالية الحديثة ...
وخلاصة القول: إن فيبر يرى أن المذهب البروتستانتي، ولاسيما مذهب كالفين (Calvin) ، قد خلق ما يسمى"بأخلاق المهنة"المعتمدة على نزعة صوفية تجتهد في جمع النقود واستثمارها في المشروعات التجارية والصناعية، بروح مطمئنة، تعتبر النجاح في الدنيا دليلا على رضا من الله ورضوان. [1]
وعليه، إذا كان إميل دوركايم يدرس الظواهر الاجتماعية دراسة علمية وضعية، على أساس أن هذه الظواهر تشبه الأشياء. لذا، لابد من دراستها في ضوء علوم الطبيعة، فإن ماكس فيبر الذي تأثر كثيرا بالمقاربة الهيرمونيطيقية، كان يميز بين علوم الطبيعة وعلوم الثقافة. ومادام علم الاجتماع يدرس الفعل الاجتماعي عند الأفراد والجماعات، فهو أقرب إلى علم الثقافة منه إلى علم الطبيعة. في حين، يمكن دراسة الاقتصاد السياسي دراسة علمية، بالاستفادة من علوم الطبيعة. وهذا إن دل على شيء، فإنما يدل على الاختلاف المنهجي في دراسة العلوم الإنسانية، بالتشديد على التساؤل التالي: هل يمكن دراسة علوم الروح دراسة وضعية أم أنها علوم مستقلة بذاتها؟
وفي هذا الصدد، يقول السوسيولوجي الفرنسي جوليان فروند (1921 - 1983 م) :"يشكل النزاع المنهجي الذي قسم الجامعيين الألمان في أواخر القرن التاسع عشر خلفية التأمل الإبستمولوجي لماكس فيبر ... موضوع خلاف يتعلق بوضع العلوم الإنسانية: هل ينبغي إخضاعها لعلوم الطبيعة، كما يريد أنصار الوضعية، أم بالعكس تأكيد استقلاليتها؟ بالطبع، سرعان ماتحول هذا الجدال إلى مناقشة حول تصنيف العلوم، وفي هذا الخصوص انتهى أنصار استقلالية العلوم الإنسانية بدورهم إلى التعارض. فقد اعتبر البعض، منهم ديلثي (Dilthey) ، أن مبرر هذا التصنيف هو اختلاف الموضوع، على أساس التمييز بين عالم الطبيعة وعالم الفكر أو التاريخ. فالواقع يقسم إلى قطاعات مستقلة يوجه كل منها فئة خاصة من العلوم. في حين، إن البعض الآخر، ومنهم ويندلبند (Windelband) وريكيرت (Rickert) ، يرفض تجزئة"
(1) - د. محمد عابد الجابري وآخران: دروس الفلسفة، دار النشر المغربية، الدارالبيضاء، المغرب، طبعة 1971 م، ص:346.