الواقع الذي يبقى واحدا هو ذاته دوما، ويقترح هؤلاء أساسا منطقيا لدراسة الواقع، حيث يسعى العالم إما إلى معرفة العلاقات العامة أو القوانين، وإما إلى معرفة الظاهرة بخصوصيتها؛ وهكذا يكون هناك منهجان رئيسيان، واحد يمكن تسميته بالعام، والآخر بالخاص .. مهما يكن التمييز بين العام والخاص، فمن الخطأ القول: إن علوم الطبيعة تستخدم عمليا المنهج الطبيعي أو المنهج العام فقط، وأن علوم الثقافة تستخدم المنهج التاريخي أو الخاص فقط. لايتمتع أي من هذين المنهجين بامتياز أو تفوق بالنسبة إلى الآخر. وينكر فيبر، الملتزم بروح الإبستمولوجيا الكانطية، أن يكون بوسع المعرفة أن تكون صورة للواقع أو نسخة كاملة عنه، سواء بمعنى المدلول، أو بمعنى المفهوم. فالواقع لامتناه ولايفنى. وبناء عليه، فالمشكلة الأساسية لنظرية المعرفة هي مشكلة العلاقات بين القانون والتاريخ، بين المفهوم والواقع. وأيا يكن المنهج المعتمد، فإن كل واحد يقوم بعملية انتقاء من التنوع اللامحدود للواقع التجريبي." [1] "
وقد أثبت رايمون أرون (R. Aron) بأن منهج ماكس فيبر السوسيولوجي يرتكز على ثلاثة مقومات أساسية هي: الفهم، والتاريخ، والثقافة. [2]
وخلاصة القول، يعتمد ماكس فيبر على منهج الفهم في دراسة السلوك الاجتماعي، ورصد أشكال الهيمنة والسلطة، ويعني هذا أنه من مؤسسي مدرسة الفهم في علم الاجتماع. ويعني هذا أن منهجية ماكس فيبر تهدف إلى فهم معنى التفاعلات السلوكية للأفراد داخل المجتمع. أي: يدرس علم الاجتماع العمل الاجتماعي (Action social) الذي يقصد به مجموعة من الوسائل التي يستند إليها المجتمع للحفاظ على اتساقه وانسجامه، وخاصة الوسائل القانونية والتنظيمية أو الأعمال التي تدفع الأفراد والجماعات التي تعيش نوعا من الهشاشة إلى العيش الكريم، والانصهار في وحدة المجتمع.
وقد تبلور هذا المنهج القائم على دراسة التفاعلات القائمة بين الأفراد في كتابه (الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية) الذي نشره في شكل مقالين سنتي 1904 و 1905 م، حيث درس فيهما أثر العوامل الدينية في ظهور العقلانية، وكيف ساهم الإصلاح البروتستانتي في نشأة الاقتصاد الرأسمالي المادي. ومن ثم، فقد ركز ماكس فيبر على العقلانية، واعتبرها مظهرا من
(1) - جوليان فروند: سوسيولوجيا ماكس فيبر، ترجمة: جورج أبوصالح، مركز الإنماء القومي، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى، بدون تاريخ، ص:21 - 22.