الصفحة 16 من 36

الفرع الثاني: الرحمة بالعصاة بين المداراة والمداهنة.

الفرع الثالث: الموازنات في الرحمة بالعصاة.

الفرع الأول: المقاصد الشرعية من الرحمة بالعصاة.

إن الرحمة بالعصاة من محاسن هذه الشريعة،"لأن الله هو الرحمن المنعم الحقيقي البالغ في الرحمة غايتها بأن يسع كل شيءٍ تفضلًا من غير انقطاع المعصية وغيرها" [1] ؛ وقد دعا إلى ذلك القرآن والسنة وحثّا عليه، لتحقيق مقاصد وغاياتٍ، يستجليها المدققون الفطنون ويطبقها الراحمون الحريصون. لقد تناسقت أساليب دعوة العصاة وتضافرت لتحقيق مقاصد الشرع بردع العصاة عن المعصية وتنفيرهم منها، وترغيبهم في الطاعة وتحبيبها إليهم [2] ؛ ومن أهم المقاصد التي تحققها الرحمة بالعصاة مقصد تحقيق الأمن النفسي، لأن العاصي يكون مهزوز النفس مزعزع الروح، حتى إذا وجد من يدعوه بِلينٍ ورحمةٍ سكنت نفسه وعاد إليه الأمل، وهذا ملاحظٌ في الواقع من حيث إن العاصي إذا شُدد عليه يزيد في غَيِّه في الغالب، وإذا أحس بأنه مرحومٌ ومحاطٌ بالحنان وحب الخير له من الناس فإنه يَرْعَوِي أو يفكر في الإقلاع عما هو عليه على الأقل. بل حتى في حال العقوبة الشرعية للعاصي فليس المقصد منها مجرد تعذيبه وإنما يُرمى إلى تأديبه وزجر غيره عن تقليده؛ قال ابن تيمية بتصرفٍ يسيرٍ:"واعلم أنه لا منافاة بين عقوبة الإنسان في الدنيا على ذنبه وبين الصلاة عليه والاستغفار له، فإن الزاني والسارق والشارب وغيرهم من العصاة تقام عليهم الحدود، ومع هذا فيحسن إليهم بالدعاء لهم في دينهم ودنياهم، فإن العقوبات الشرعية إنما شرعت رحمةً من الله بعباده، فهي صادرة عن رحمة الله وإرادة الإحسان إليهم. ولهذا ينبغي لمن يعاقب الناس على الذنوب أن يقصد بذلك الإحسان إليهم والرحمة لهم، كما يقصد الوالد تأديب ولده، وكما يقصد الطبيب معالجة المريض" [3] .

وإن الرحمة بالعصاة مدعاةٌ إلى تحقيق المقاصد الكبرى، إنْ بطريقٍ مباشرٍ أو غير مباشرٍ:

أولًا: فهي طريقٌ إلى حفظ الدين لأن هذه الرحمة ستشجع العاصي على التوبة، فيحفظ بذلك دينه، ومن العصاة من يمس الدين ويؤذيه حتى إذا نوقش بالحكمة واللين، استحيا وكف على الأقل شره عن دين الله، كما قال تعالى: {وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [4] .

(1) تيسير التحرير، لأمير بادشاه، 1/ 5.

(2) أساليب دعوة العصاة، مرجع سابق، ص 239.

(3) منهاج السنة النبوية، لابن تيمية، 5/ 237 - 238.

(4) سورة الأنعام، الآية:108

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت