الله. ويجمع الحالين قول سعيد بن جبير:"إن العبد ليعمل الحسنة فيدخل بها النار، وإن العبد ليعمل السيئة فيدخل بها الجنة"؛ لأنه يعمل الحسنة فتكون نصب عينه ويعجب بها، ويعمل السيئة فتكون نصب عينه فيستغفر الله ويتوب إليه منها [1] .
فلماذا لا يرحم المطيع العاصي وقد تكون معصيته طريقًا إلى الجنة؟ فرب سيئةٍ أدخلت صاحبها الجنة، ورب حسنةٍ أدخلت صاحبها النار.
وكيف لا يُرحم العاصي وهو في مشيئة الله، إن شاء عفا عنه وإن شاء عذبه، بل وقد يجري النصر والتأييد على يديه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:"يَا بِلاَلُ، قُمْ فَأَذِّنْ: لاَ يَدْخُلُ الجَنَّةَ إِلَّا مُؤْمِنٌ، وَإِنَّ اللَّهَ لَيُؤَيِّدُ هَذَا الدِّينَ بِالرَّجُلِ الفَاجِرِ" [2] .
لا أكون مبالغًا إذا قلت إن الوحيين رحمةٌ بالعصاة، إما مباشرةً أو بطريقةٍ غير مباشرةٍ، لأن البشر مجبولون على المعصية والشرع جاء لاستئصالها إما بالنهي المباشر أو بفرض الطاعات؛ ومن ثمّ فالنماذج الكاشفة عن الرحمة بالمذنبين في الوحيين لا تكاد تحصى، وقد اخترت بعضها مقسمةً على الفرعين الآتيين:
الفرع الأول: نماذج من القرآن الكريم.
الفرع الثاني: نماذج من السنة النبوية.
الفرع الأول: نماذج من القرآن الكريم.
نزل القرآن الكريم رحمة للناس مسلمهم وكافرهم، برهم وفاجرهم، حيث قال جل وعلا: {وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ} [3] ، قال عبد الرحمن السعدي:"لم تكن متحريًا لنزول هذا الكتاب عليك، ولا مستعدًا له، ولا متصديا، إِلا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ بك وبالعباد، فأرسلك بهذا الكتاب، الذي رحم به العالمين" [4] ، ومن الأمثلة على ورود الرحمة بالعصاة في القرآن الكريم أذكر ما يلي:
(1) أمراض القلوب وشفاؤها، لابن تيمية، ص 57. ومجموع الفتاوى، مرجع سابق، 10/ 45.
(2) أخرجه البخاري في صحيحه، بَابُ إِنَّ اللَّهَ يُؤَيِّدُ الدِّينَ بِالرَّجُلِ الفاجر مرجع سابق، 8/ 124. وأخرجه مسلم في صحيحه، 1/ 105.
(3) سورة القصص، الآية: 86.
(4) تيسير الكريم الرحمن، للسعدي، ص 625.