الصفحة 7 من 36

العنصر الثاني: الأعمال بالخواتيم.

إن الأعمال بالخواتيم، ومَنْ مَنَّ الله عليه بالهداية لا يضمن الاستمرار عليها، ومن اختار طريق الضلال يرجى منه العدول عنه إلى الهدى في أي لحظةٍ؛ ولا أدل على ذلك من بعض الصحابة الذين نصر الله بهم الإسلام، بعدما كانوا شديدين عليه في الجاهلية. فمن رحمة الله بالعصاة أن أَعْلمهم بأن العبرة بالخواتيم، وأنه اختص بعلمها؛ فجعلهم في بحبوحةٍ من أمرهم، وفتح لهم باب الأمل إلى آخر حياتهم، فأقام بذلك الحجة عليهم. وفي المقابل، لا يأمن من مكره من ظاهره الصلاح، لئلا يفتر عن العبادة والعمل الصالح.

لقد افترقت الأعمال في الظاهر: هذا مطيعٌ وذاك عاصٍ، وهذا صالحٌ وذاك طالحٌ، لكنها استوت من حيث إن الحكم متعلقٌ بالخاتمة، والتي تساوى في جهلها العصاة والصالحون على حدٍّ سواءٍ. ولعله مقصود المهلب حين قال:"قوله صلى الله عليه وسلم:"إنما الأعمال بالخواتيم" [1] هو حكم الله في عباده في الخير والشر، فيغفر الكفر وأعماله بكلمة الحق يقولها العبد قبل الموت، قبل المعاينة لملائكة العذاب، وكذلك يحبط عمل المؤمن إذا ختم له بالكفر" [2] .

فمن استقرت لديه هذه العقيدة، وكان ظاهره الصلاح، فإنه سيرحم من ظاهره العصيان، لأنه متيقن أن الله قادرٌ على هداية العاصي وحسن خاتمته؛ ومن جهةٍ أخرى لن يطمئن الصالح على نفسه، بل سيستزيد من العمل والخير والصلاح لكيلا يقع في سوء الخاتمة والعياذ بالله،"فجميع الحسنات تحبط بالردة وجميع السيئات تغفر بالتوبة" [3] .

وعَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ الصَّادِقُ المَصْدُوقُ، قَالَ:"إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ مَلَكًا فَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ، وَيُقَالُ لَهُ: اكْتُبْ عَمَلَهُ، وَرِزْقَهُ، وَأَجَلَهُ، وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ، ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ، فَإِنَّ الرَّجُلَ مِنْكُمْ لَيَعْمَلُ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الجَنَّةِ إِلَّا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ كِتَابُهُ، فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ، وَيَعْمَلُ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّارِ إِلَّا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الكِتَابُ، فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الجَنَّةِ" [4]

فكيف يأمن على نفسه من اطلع على هذا الحديث؟ وهل يقوى على الحكم بالغواية على أخيه المسلم العاصي، وهو يعلم أن باب التوبة بل باب الجنة مفتوحٌ في وجهه، مثلما يهدد بالنار، فهما سيان من حيث الاحتمال؛"ففي الحديث إيماءٌ إلى عدم الاغترار بصور الأعمال، لأن الأعمال بالخواتيم، نسأل الله حسن الخاتمة" [5] .

وقد تكون المعصية سببًا لدخول العاصي الجنة أو لرفع درجته، حين تحثه على كثرة الاستغفار وازدراء النفس والبكاء على الذنب؛ كما أن الطاعة قد تَزُج بصاحبها في النار عندما تؤدي به إلى الرياء والعجب والأمن من مكر

(1) أخرجه البخاري في صحيحه، بَابٌ: العَمَلُ بِالخَوَاتِيمِ، 8/ 124.

(2) شرح صحيح البخاري، لابن بطال، 10/ 306.

(3) مجموع الفتاوى، لابن تيمية، 8/ 140.

(4) أخرجه البخاري في صحيحه، مرجع سابق، (4/ 111)

(5) تطريز رياض الصالحين، لفيصل بن عبد العزيز آل مبارك، ص: 270 - 271.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت